منصة الصباح
الشاعرة التونسية هاجر الرقيق لمنصة الصباح: ❝لا شيء يمر من نافذة الشعر ويبقى كما هو❞

الشاعرة التونسية هاجر الرقيق لمنصة الصباح: ❝لا شيء يمر من نافذة الشعر ويبقى كما هو❞

حوار /حنان علي كابو

ليست كل الحوارات أسئلة تُطرح وأجوبة تُقال، فبعضها يشبه فتح نافذة على غرفةٍ داخلية ظلّت مواربةً طويلاً. في هذا الحوار، لا تتحدث الشاعرة هاجر الرقيق عن الشعر بوصفه جنساً أدبياً فحسب، بل بوصفه طريقةً للنظر إلى العالم، ووسيلةً لفهم الوجع والذاكرة والغياب، وأداةً لإعادة تشكيل الأشياء المألوفة في صور جديدة ومفاجئة.

من دفتر طفولة أهداه لها والدها، إلى قصيدةٍ تستيقظ من لوحة سريالية أو من تفصيلٍ عابر في الحياة اليومية، تكشف هاجر الرقيق عن علاقتها المعقدة بالكلمات، وعن إيمانها بأن الشعر ليس زينة لغوية، بل فعل اكتشاف ومقاومة وتأويل مستمر للعالم. تتنقل بين الأب والطفلة والغياب والصمت، وبين الواقع والخيال، لتصوغ رؤية شعرية ترى في التفاصيل الصغيرة أبواباً واسعة نحو المعنى.

في هذا الحوار تقترب هاجر الرقيق من مناطقها الأكثر خصوصية، وتتحدث بصدق عن الكتابة والذاكرة والاختلاف، وعن تلك المسافة التي يتحول فيها الألم إلى نص، والغياب إلى كائن حيّ، واللغة إلى محاولة دائمة لفهم الإنسان والعالم.

وترا خامدا بداخلي تحرك .

– كيف التقيتِ بالشعر، من منكما توقف ليصافح الآخر…؟

من جميل الأقدار أنني نشأت في عائلة أدبية، لطالما كنت محاطة بالكتب، ولطالما كان والدايا حريصين على تربيتي على حب العلم وتقديس الحرف. دفتر كتاباتي الأول أهداه لي والدي وأنا لازلت طفلة صغيرة لم تتجاوز الثماني سنوات. كنا نخصص حصة من الوقت يومياً لنجلس ونكتب سوياً. في تلك الفترة، ملت أكثر نحو كتابة القصص القصيرة. أول لقاء جمعني بالشعر كان في سن المراهقة من خلال إحدى الصديقات المقربات. أذكر كيف زرتها في إحدى الأيام وهكذا بكل عفوية، فتحت درج مكتبها وأخرجت كراساً مليئاً بأشعارها.. لم أدرك أن مصيري كان ينتظرني في درج مغلق.. وأن وتراً خامداً داخلي تحرّك ولم يكف عن العزف من وقتها.. أريد أن أقول لهذه الصديقة التي لا أظنها تدرك عمق أثرها عليّ: شكراً. شكراً لأنكِ عرّفتني على الآلة الموسيقية التي تسكن روحي..

لوحات للفنانة التشكيلية مريم الصيد
أكتب بلا محفزات خارجية .

_نصوصك تبدو كأنها تبنى من الداخل إلى الخارج .. كيف تبدأ القصيدة لديك ومن يسبق الآخر الصورة أم – الإحساس؟

القصيدة نوعان عندي: القصيدة التي تنزل عليّ فجأة مثل وحي سماوي وأجدني أكتبها كما لو أن صوتاً خارجياً يُملي عليّ الكلمات ويحرك يدي (وهي النوع الأندر). من ثم هنالك القصيدة التي لا تأتيني، وإنما أسير نحوها بكامل إرادتي. وأحياناً، أركض في اتجاهها مهرولة وكأنها تحمل نجاتي بين كفيها.. هذا النوع من القصائد يقتضي أن أجلس لطاولة الكتابة وأشتغل على النص خطوة بخطوة كما لو أنني أفصل قطعة قماش أو أصمم بيتاً.. عادة ما تولد قصائدي من مصدر إلهام معين.. قصيدتي “هكذا ولدتني أمي: بخطاطيف بدل الجلد” مثلاً ألهمتني لكتابتها لوحة فنية سريالية اعترضتني مصادفة لفنانة برأس سمكة. أحياناً أخرى، تكون كلمات شعراء آخرين محركاً لنصوصي. حتى إن انعدم الإلهام، دربت نفسي أن أكتب بلا محفزات خارجية كما لو كنتُ أمارس تماريناً رياضية.. ولي في هذا شاهد مفاده ما أفاد به الشاعر هاني نديم بأن الكتابة شأنها شأن أي عضلة بالجسم، وجب المواظبة على تقويتها حتى تصير دربة..

نقطة إلتقاء .

– تكتبين تجربتكِ الشخصية، فتتحول إلى مرآة لواقع أوسع؟ هل الذاتية مهمة في النص الشعري؟

الذاتية مهمة في النص الشعري، لكنني لا أقف عند حدودها وإلا حتمت على نفسي الانغلاق والتقوقع.. كثيراً ما يقع التمازج والتماهي بين “الأنا” و”الهم” في نصي للحد الذي يصعب فيه وضع خط فاصل بين الاثنين.. يحضرني في هذا السياق قول لشاعرة أردنية رائعة اسمها رنيم نزار مفاده أنها تتقمص شخصيات عدة في نصوصها وأنها “قبيلة من النساء في امرأة”..

تجربتي الشخصية لا تعني شيئاً إن لم أسع للبحث بين ثناياها عن المشترك الكوني.. تلك المساحة الغامضة التي يجتمع فيها شخصان من بلدين وثقافتين مختلفتين ومع ذلك، كلاهما يلمس قطعة من ذاته في النص.. هذه هي غايتي الأسمى والأجل؛ أن يشكل النص نقطة التقاء بين عقلين أو قلبين ما كانا ليتجالسا في مكان واحد على أرض الواقع، ولكن ها هما يصطدمان ببعض على قارعة النص ويتكئان على كتف بعض ليتحدثا ويتخاطرا طويلاً..

قلب المعنى في رمية .

– كيف أمكنكِ التوازن بين الصدق التعبيري والحفاظ على تماسك النص بعيداً عن المبالغة؟

لقد تغير أسلوبي كثيراً على مرّ السنوات ولازال يتغير كلما توسعت دائرة مطالعاتي وتجاربي.. في وقت ما، كنتُ أطنب في الوصف وأميل للزخرفة اللغوية.. من ثم تعرفتُ على نزار قباني ومحمود درويش وبسام الحجار ووديع سعادة وهاني نديم وغيرهم كثيرون ممن كانوا يصيبون قلب المعنى في رمية واحدة دقيقة ومدروسة.. أعتقد أن تخصصي بالأدب الإنجليزي وخاصة دراستي للشعر الاحترافي ساعداني كثيراً لانزاح باللغة بعيداً عن الصور المكررة والاستعارات الرتيبة.. قراءتي لأعمال سيلفيا بلاث وأن ساكستون على وجه الخصوص كانت بمثابة نقطة التحول في مسار كتابتي..

أتذكر عندما وقعت مصادفة على قصيدة “توليبس” لسيلفيا بلاث في إحدى الليالي المؤرقة، وهنا، سأستعير عبارة للكاتب الألماني “هرمان هيسه” لأعبر عما أصابني ليلتها، وهي عبارة “صدمة اليقظة”.. التصقتُ بالقلم والكراس وظللتُ أكتب لساعات متوالية حتى الصباح وكأن بلاد استيقظت عفريت الشعر من سباته ودعته على فنجان قهوة.. أعتقد أن أكثر ما شدني في الشعر الاعترافي هي البساطة اللغوية التي لا تخلو من عمق في المعنى، فالمفرادات عادةً ما تكون مأخوذة من حياتنا اليومية: الأحذية والبطيخ وسكين المطبخ.. إلخ لكنها موظفة لتجسيد أفكار فلسفية وحالات نفسية معقدة.. تقول بلاث في إحدى اللقاءات الإذاعية إنها تحب جنس الرواية لأنه يسمح لها بأن تحشر فراشي الأسنان وكل تلك الجزئيات اليومية وحتى المبتذلة في طيات القصة.. أعتقد نفس الرأي يمكن تطبيقه على القصيدة: يمكنني أيضًا وبكل ارياحية أن أحشر فرشاة الأسنان في أركان النص الشعري..

فكري ذا نزعة تصويرية …

– هل الطفلة التي في نصوصك كانت تخترع صورًا لتفهم العالم، أم…؟

لتفهم العالم: نعم، هذا مؤكد، ولكن لتتألم وتتعايش معه أيضًا.. كل عقل بشري يطور آليات الدفاع الخاصة به واستراتيجيات النجاة التي من شأنها أن تنقذه من نيران العالم الخارجي.. لطالما كان فكري ذا نزعة تصويرية ،تماما كما يستوعب الرياضيون العالم في شكل معادلات وحسابات رقمية (Imagisitc or image-based).

كنت أتلقى العالم وأترجمه إلى صور حية وأستعارات ملونة.. منذ صغري، كانت تلك طريقتي في فك شيفرة الموجودات من حولي، وفي الوقت نفسه طريقتي في ترتيب كل من الفوضى الخارجية والداخلية.. الصور كانت تنقذني من فخ التعوّد والأوتوماتيكية في التعامل مع الأشياء، كانت تبقي حواسي في حالة عمل دائمة حتى أعيش كل تفصيل عابر وصغير على أنه تجربة جمالية حافلة بالأحاسيس والانطباعات.. وهذا تحديدًا ما سعت نحوه مدرسة الشعر الرومنطيقي في أواخر القرن الثامن عشر في بريطانيا مع وردزورث وكولريدج وغيرهما، غير أنني أؤمن بأن هذا ما يسعى له الشعر دائمًا في كل مكان وزمان..

عمق في المآرب .

– ألا تخافين من سوء الفهم أم تراهنين عليه؟

لا أخاف سوء الفهم لأنني ببساطة لستُ منشغلةً بالتفكير فيه.. أنا أكتب النص وأنشره كما هو بدون “censorship” ولا أريد أن ألعب دور الرقيب الأخلاقي على نصوصي.. كل نص هو بمثابة طفل تمخّضت عنه قريحتي، هو ابني “لحمي ودمي” كما نقول بالعامية التونسية.. إذا ولد أحد أطفالي بعيب خلقي، هل سأحاول أن أغطي أطرافه أو أحجب علّته عن العالم؟ أنا أترك أطفالي يولدون ويعيشون كما هم، وأحبهم بنزقهم وطيشهم و”قبحهم”..

أحبّ النص في حالته الطبيعية بلا تهذيب أو تشذيب.. هنالك من وصف نصوصي بالوساخة والإباحية وغيرها من النعوت المستهجنة.. لم أنزعج لأنني ببساطة أؤمن بنصي وبما يحمله من رسائل وما يرمي إليه من مآرب.. الجرأة في نصي ليست بغاية الجرأة في حد ذاتها، أي أنها موظفة توظيفًا مدروسًا يخدم المعنى ويدعّم المضمون.. نصّي “كأي يوم أحد”، على سبيل المثال، يستخدم عناصر من البنية الجسدية والتناسلية للمرأة بهدف التنديد بالواقع الاجتماعي والنفسي المأساوي لأنني تعيش حالة من الاضطهاد واليأس.. الجرأة في اللفظ يوازيها ويوازنها دائمًا عمق في المآرب..

لوحات للفنانة التشكيلية مريم الصيد
❝ لا أظن أن الماضي يموت هو يدخل في سبات إلى أن يلكزه القلم فينتفض من جديد. ❞
قوة الكتابة

– هل تكتبين بصوتك الحالي، أم بصوتك القديم الذي لم يُسمح له أن يتكلم في وقته؟

أكتب بصوتي الحالي عن صوتي القديم! هنالك الكثير من النصوص التي أتفاجأ حين أفرغ من كتابتها لأنها تتسلل بكل هدوء إلى ذاكرتي وتفتح خزانة الماضي وتلقي عند قدمي كومة من المشاعر والأفكار التي ظننتُ أنني تجاوزتها.. أعتقد أنه هنا تحديدًا تكمن قوة الكتابة: تسحب من اللاوعي ذلك المخزون العاطفي والفكري وتنشره أمامنا قطعة قطعة على حبل اللغة.. ربما من هنا يتضح مفهوم “التسامي” (Sublimation) عند فرويد؛ هذه الآلية التي بموجبها يقع تحويل كل ما هو مكبوت إلى عمل إبداعي.. الجميل في هذا أنني لا أعتقد أنني كنتُ قادرةً أن أكتب عن تجاربي الماضية لحظة معيشها.. كانت عاطفتي لـ تحول بيني وبين ما تقتضيه الكتابة من صفاء ذهني..

المسافة الزمنية التي تفصلني عن الماضي مكنتني من أخذ مسافة نقدية تجاهه.. حين أزور تجربة قديمة، أزورها بجلاد فكري وعاطفة متزنة وكأنني أتخارج من ذاتي وأنظر لها من بعيد كما ينظر متفرج لممثل على الرّكح.. هذه “الموضوعية” في التعامل مع الذات ساعدتني أن أفهم النسخة السابقة من هاجر أكثر وأمررها تحت المجهر وأضعها على طاولة التشريح وأوجّه نحوها عدستي المكبرة وآتي بتقارير واستنتاجات.. إلخ. باختصار، لا أظن أن الماضي يموت حقًا، هو فقط يدخل في سبات أو غيبوبة إلى أن يلكزه القلم فينتفض داخلنا من جديد..

الغياب جرح نازف .

_في نصوصك، الغياب ليس فراغًا بل كائنًا يسمع… متى تعلمتِ الإصغاء إلى ما لا يُقال؟

لطالما كنتُ كائنًا مفرط الحساسية.. منذ كنت طفلة صغيرة وأنا أنتبه لأدق التفاصيل التي عادة لا يمنحها الآخرون القدر الكافي من الاهتمام.. كانت ذاكرتي بمثابة عدسة التصوير التي تلتقط كل ما يعترضها: أزيز زيت القلي في المطبخ، رائحة الشوارع بعد ليلة ممطرة، ألوان الثياب المنشورة فوق السطوح.. كل تفصيل كان يدخلني ويسكنني كحدث؛ كحدث هام وكبير وجب عيشه في كامل يقظتي الحسية.. ولذلك كان الغياب، كما الحضور تمامًا، شيئًا ملموسًا وله خاصيات فيزيائية: له رائحة وطعم ولون وصوت يشفع.. يحضرني الآن قول لأحد الرسامين المفضلين عندي رينيه ماغريت: “للعقل القدرة على استيعاب ما هو مرئي ولا مرئي، وأنا أستعمل رسوماتي لأجعل من أفكاري مرئية.” الشاعر لا يختلف عن الرسام كثيرًا: كلاهما يحوّلان الأفكار إلى أجساد من طين وماء، فيصبح الغياب جرحًا نازفًا يمكن الضغط عليه أو رذاذًا يمكن الإصغاء لدويّ طلقاته في الفضاء..

الشاعرة التونسية هاجر الرقيق
معلقة بين السماء والأرض.

_نصوصك تمشي بين الأرض والسماء… أين تشعرين أنك تكتبين أكثر؟

أعتقد أن نصوصي تعيش في “المطهر”، في تلك المحطة الفاصلة بين الجنة والجحيم.. أكتب لأتخفف من ثقلي الأرضي، لأغتسل مما يعلق بي من أدران الحياة اليومية.. أليست كل كتابة ضرورة عملية تطهير؟ نكتب لنتطهر من دنس العادات والأحزان والأفكار المتوارثة.. نكتب لنسجل تفاصيل ذلك الصراع الأزلي بين الملائكة والشياطين داخلنا.. وكلاهما ضروري لتأجيج الصورة الشعرية! لا أرى تناقضًا بين البراءة والتمرد في كتاباتي؛ لقد أدركتُ منذ زمن بعيد أن الكيان البشري غير قابل للاختصار أو للتلخيص في واجهة أحادية البعد.. بداخلنا يتعايش كل من الضوء والظلام مثل قبيلتين لهما خصوماتهما كما لهما تحالفاتهما.. ولهذا، كثيرًا ما أشعر أنني معلّقة بين السماء والأرض مثل بندول ساعة راقصة.. أو أنني لاعبة أكروبات أو جمباز أتدلى رأسًا على عقب من حبل خفي مشدود بين السحب.. تفاصيل حياتنا اليومية على بساطتها تنطوي على روحانية عميقة، فحبة البطاطا التي تقشرها الأم وتسلقها لأولادها يمكن أن تصير وعاءً لأطروحة فلسفية كاملة داخل العالم الشعري.. ولذلك أؤمن إيمانًا راسخًا بأن السماء تسكن الأرض، وأن المادة تحتوي حفنة من الأثير..

مسحة خفيفة من الضوء .

_هل تغير الأب في داخلك بعد أن كتبتِه، أم بقي كما هو خارج النص؟

لا شيء يمر من نافذة الشعر ويبقى كما هو، لا الأشخاص ولا الأشياء ولا التجارب.. كل ما يعبر شباك النص يخرج وعليه مسحة خفيفة من الضوء.. نكتب حتى ننظر للعالم من زاوية أكثر إشراقًا ووضوحًا حتى حين يكون ما نكتب عنه غارقًا في العتمة.. للشعر تلك القدرة السحرية على “التجلي” (Transfiguration). كذلك الأب، ربما يظلّ كما هو على أرض الواقع، ولكن النبض الشعري يمكنني من إضفاء بعد جمالي أو قيمة فلسفية عليه حتى في أقسى حالاته وأكثرها ظلامًا.. لا شك أن الكتابة فعل مقاومة، لكنها أيضًا فعل احتفاء! جمالية اللغة في حدّ ذاتها بغض النظر عن الموضوع وما أجده من متعة في تشكيل الكلمات وإعادة تشكيلها سبت كافٍ لأتصالح مع الأب كما مع أي عامل مقلق آخر خارج النص..

❝ الكتابة أنقذتني (ولازالت تنقذني) من عدة أشياء أهمها السطحية. ❞
أتجاوز عتبة العالم .

_هل الكتابة أنقذتكِ من شيء، أم جعلتكِ ترينه بوضوح مؤلم فقط؟

الكتابة أنقذتني (ولازالت تنقذني) من عدة أشياء أهمها السطحية: سطحية الفكر وسطحية الإحساس وسطحية الرؤيا.. في ظل ما نعاينه يوميًا من انحدار فكري وقيمي، الكلمات تصبح بمثابة أداة التنقيب والشاعر بمثابة عالم الآثار.. هو يفتح حفرة في الأشياء، وينبش تربتها ليعري عن بواطنها ويستخرج كل ما هو ثمين.. أشد ما أكرهه لنفسي أن أتوكف أمام الواجهة الخارجية للعالم وأصفه من خلف حاجز البلور.. النص يسمح لي بأن أتجاوز عتبة العالم وأفتح بابه وأشرع شبابيكه وأجلس على أريكته بكوب قهوة في يدي.. من يكتفي بالنظر لسطح الأشياء لن تتولد عنه سوى كومة من الأفكار المسبقة والمغالطات الفكرية.. ولذلك أنا مدينة للكتابة بهذا العمق، بهذا الانفتاح اللامتناهي على المعنى.. وحدها الكلمات من تخوّل لي لا أن أكتشف عمق الموجودات من حولي فقط، بل أيضًا أن أكتشف في كل مرة أعماقًا جديدة داخلي وأعًا جزئيًا لم أخلها قد تكونت في محيط ذاتي..

الشاعرة التونسية هاجر الرقيق

_كل من مرّوا في نصوصكِ هل كانوا يخافون قلبكِ… أم حريته؟

حقيقة، لا أعتقد أنهم كانوا يخافون قلبي ولا حريّته.. هم ببساطة لم يفهموا قلبي ولم يكونوا قادرين على استيعاب حياتي الداخلية، وكل مجهول مخيف.. تمامًا كما يحصل للمهاجرين في العالم الغربي منذ عقود؛ هم ليسوا مخيفين لأن لهم بشرة داكنة والبهارات الخاصة بهم في الطبخ و و و… هم ببساطة مخيفون لأنهم “مختلفون”! فالذي يتهم نصوصي بالدناسة لم تقرأ حافظته “الحرية” التي أكتب بها، وإنما “الاختلاف” لأنه دخل على نصي بقوالب جاهزة ومفاهيم جامدة عما يجب أن يُكتب وكيف يجب أن يُكتب.. من الأسهل دائمًا أن نضع المختلفين في خانة المتهمين والمشتبه بهم على أن نضعهم في خانة المبتكرين والمجددين.. نحن نتعامل بعاطفية وانفعالية مفرطتين مع الفكر المغاير بدل أن نتخذ المناهج التحليلية والحجاجية في تفكيك دوافعه وفهم مقاصده ومن ثمّ إما تأييده أو دحضه..
مفتوح على التأويل

– “إغلاق أفكارك زرًا زرًا”؟ هل هو خوف من صوتكِ أم من صمتكِ؟

للصمت أيضًا صوتٌ مسموع ومقروء.. ومن حدث أن التقى بي أو تقاطعت طرقنا في يوم ما يعرف جيدًا أنني بطبعي قليلة الكلام في السياقات الاجتماعية.. أرفض فكرة الكلام بغاية الكلام أي بغاية إحداث الضجة ولفت الانتباه.. كذلك النص الشعري، لا أنشره على الملأ حتى أتأكد من قيمته ونضجه.. وأحيانًا، أتعمد ترك فراغات في نصوصي (حرفية ومجازية) حتى يملأها كل قارئ بحسب مخيلته ومخزونه من التجارب وتكوينه الفكري والنفسي.. وبهذا الشكل، يعمل “الصمت” على إبقاء النص مفتوحًا على التأويل ومرحبًا بتعدديته ولانهائية المعنى.. لهذا السبب، لا أرى تناقضًا ولا اختلافًا بين الصوت والصمت لأن هذا الأخير أيضًا مُحمّل بالمدلولات والمقاصد، ويشكل في حد ذاته لغةً من لغات الترميز. أعتقد أن الخوف (إن حصل) فهو يشمل كلا الحالتين لأنهما على نفس الدرجة من البلاغة!

– هل النص تمردٌ على الأب… أم محاولة لفهمه بعد فوات اللهفة؟

في رأيي، نصوصي ليست تمردًا على الأب بقدر ما هي مكاشفة صريحة عن الوجع.. هناك ربما من يعتقد أن كتاباتي عن الأب نابعة من شعور بالكره والاحتقان، ويمكنني أن أتفهم لحدٍ ما هذه القراءة، لكني أراها في الحقيقة نابعة عن ألم: الألم الناجم عن غياب التواصل أو ضعف أواصره.

أنا أكتب عن الأب كما لو أنني جالسة في عيادة الأخصائي النفساني، كما لو أن الطبيب يُجري عليّ عملية التنويم المغناطيسي فينزف مني الكلام بلا تزيين ولا تزييف.. كسر الصورة النمطية للأب وتقويض محراب قداسته ليست هدفًا في حد ذاته كما يبدو للكثيرين.. لا أسعى لتشويه مكانة الأب كما لا أسعى لتنميقها: أنا فقط أصفها كما أراها وكما أشعر بها لحظة الكتابة.. ولهذا ليس غريبًا أن لي أيضًا نصوصًا تُشيد بالأب وتمدح ما يفيض منه من دفء وحب.. أنا لا أنحاز لصفّ المعادين ولا لصفّ المهللين.. أعيش وأكتب عن الحالتين بنفس القدر من الشحنة العاطفية لأن واقعنا يحمل هاذين النموذجين المتناقضين من الأبوّة وما بينهما من منطقة رمادية..

لوحات للفنانة التشكيلية مريم الصيد

– كيف تشتغلين على تحويل المألوف (البيت، الأب، الأم) إلى بنى مغلقة داخل النص؟

سؤالك هذا ذكرني بمصطلح أحبه كثيرًا للناقد الروسي فيكتور شكلوفسكي وهو “التغريب” (Defamiliarization) ويعني حرفيًا محاولة نزع تلك الغشاوة السميكة من المألوف والذهاب بالصورة الشعرية إلى أماكن بعيدة لم يطأها عقل من قبل. وهو أيضًا ما يُعبّر عنه بالانزياح في النقد العربي الحديث.

أعتقد أن كتاباتي تنطلق دومًا من هنا من هذه الرغبة في الارتقاء بالنص من الاستعارات الرتيبة والتشابيه المكرّرة إلى فضاءات أرحب وأوسع.. وهذا الارتقاء يعني لي ضرورة أن ألتصق أكثر بالحياة اليومية وأبحث في كراكيب عوالمنا المنزلية عن مصادر جديدة للإلهام وعن علاقات غير مسبوقة بين الأشياء.. فالأب مثلاً يصير قطعة زجاج في الحلق، والأم جذع شجرة تتطاير منه شهادات ميلاد الأبناء مثل أوراق جافة.. إلخ.

كل هذه العناصر المذكورة (الزجاج والشجر وغيرها) عناصر مؤثثة لحياتنا اليومية، لكن ما وقع هنا هو كسر “أفق التوقع” لدى القارئ بالتخلص من المدلولات القديمة لهذه المفردات وإعادة خلقها أو إعادة تعريفها من خلال روابط غير مألوفة.. هذا ما أبحث عنه دائمًا من خلال النص: وخز آليات الإدراك “..وتحفيز آليات جديدة في فهم العالم من حوله.

شاهد أيضاً

"قلعة زويلة".. من قصر حكم إلى كوخ لاجيء

«قلعة زويلة» .. من قصر حكم إلى كوخ لاجئ

إبراهيم الحداد يجلس لحاج الصالح (90 عامًا) بعباءته الباهتة على سدة أمام زاوية سيدي منصور …