الصباح / منى عريبي
في السادس عشر من سبتمبر من كل عام، تتوقف ليبيا أمام واحدة من أكثر صفحات تاريخها حضورًا في الذاكرة الوطنية؛ صفحة رجلٍ لم تنتهِ قصته عند حبل المشنقة، ولم يتحول موته إلى نهاية للمقاومة، بل أصبح اسمه رمزًا للثبات والتضحية والتمسك بالأرض.
إنه عمر المختار، شيخ الشهداء، الذي خاض أكثر من عشرين عامًا من المقاومة ضد الاحتلال الإيطالي، قبل أن يقع أسيرًا في سبتمبر 1931، ويُعدم شنقًا في سلوق يوم 16 سبتمبر من العام نفسه، بعد محاكمة عسكرية سريعة.
لم يكن السادس عشر من سبتمبر يومًا عاديًا في تاريخ ليبيا؛ فقد أراد الاحتلال أن يجعل من إعدام المختار مشهدًا لإخماد المقاومة وكسر إرادة الليبيين، لكن المشهد أخذ معنى آخر تمامًا. فالرجل الذي اقتيد إلى المشنقة مكبلًا لم يترك وراءه الخوف، وإنما ترك سيرة تحولت مع مرور الزمن إلى أحد أبرز رموز المقاومة الليبية ضد الاستعمار.
من الزاوية إلى ميادين الجهاد
نشأ عمر المختار في بيئة ارتبطت بالحركة السنوسية، وتلقى علومه الدينية في الزوايا، قبل أن ينتقل إلى ميادين المقاومة مع الغزو الإيطالي لليبيا عام 1911.
ومع مرور السنوات، أصبح واحدًا من أبرز قادة المقاومة في برقة، واستطاع أن يوظف معرفته بطبيعة الأرض ومسالك الجبل الأخضر في مواجهة قوات تمتلك تفوقًا كبيرًا في العدد والعتاد.
ولم تكن المواجهة بالنسبة إليه معركة واحدة تنتهي بانتصار أو هزيمة، وإنما حرب طويلة النفس، تعتمد على الحركة والمباغتة ومعرفة الأرض والقدرة على إعادة تنظيم الصفوف والاستمرار في القتال.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن المقاومة بقيادته خاضت عددًا كبيرًا من المعارك خلال أكثر من عقدين، وأن القوات الإيطالية واجهت مقاومة استمرت رغم محاولات عسكرية متكررة لإخضاع مناطق الجبل الأخضر وإنهاء نشاط المجاهدين.
معارك صنعت اسمًا في ذاكرة المقاومة
ارتبط اسم عمر المختار بعدد كبير من المواجهات التي شهدتها سنوات الجهاد الليبي، ولم تكن تلك المعارك مجرد اشتباكات عسكرية متفرقة، بل محطات في مسار مقاومة طويلة حاول الاحتلال الإيطالي خلالها فرض سيطرته على البلاد.
ومن بين أبرز المعارك التي ارتبطت بالمقاومة في تلك المرحلة معركة الرحيبة، التي أصبحت واحدة من أشهر المواجهات في سجل الجهاد الليبي.
وفي تلك المعارك، اعتمد المجاهدون على الحركة السريعة والاستفادة من طبيعة الأرض، في مواجهة قوات إيطالية تمتلك أسلحة وآليات وقدرات عسكرية متقدمة مقارنة بالإمكانات المتاحة للمقاومة.
وهنا تظهر إحدى أهم سمات تجربة عمر المختار؛ فقد أدرك أن مواجهة جيش نظامي لا تعني بالضرورة خوض المعركة وفق قواعده، وإنما يمكن تحويل معرفة الأرض وسرعة الحركة والقدرة على المناورة إلى عناصر قوة في يد المقاومة.
عشرون عامًا من المواجهة
على مدى سنوات طويلة، ظل عمر المختار حاضرًا في ميادين القتال، متنقلًا بين مواقع المجاهدين، وقائدًا لمقاومة لم تتوقف أمام اختلال ميزان القوة.
وبعد انسحاب القوات العثمانية من ليبيا، استمرت المقاومة الليبية، ثم واصل المختار قيادة القتال في برقة، حتى أصبح أحد أبرز رموزها. وتشير المصادر إلى أنه خاض مع المجاهدين مئات المواجهات خلال فترة امتدت من الغزو الإيطالي عام 1911 حتى أسره عام 1931.
وفي عام 1929، دخل المختار في مفاوضات مع الإيطاليين، إلا أن تلك المحاولات لم تؤدِ إلى إنهاء المقاومة، فعاد القتال من جديد، واستمرت المواجهة حتى عام 1931.
11 سبتمبر.. الجواد يسقط والمختار يُؤسر
في الحادي عشر من سبتمبر 1931، وقعت اللحظة التي غيّرت مسار المقاومة في برقة.
كان عمر المختار في إحدى تحركاته مع مجموعة من المجاهدين عندما وقعت المواجهة مع القوات الإيطالية. وأصيب خلال الاشتباك، كما أصيب جواده، وانتهى الأمر بأسره ونقله إلى بنغازي، حيث بدأت الساعات الأخيرة من حياته.
لم يكن الاحتلال أمام أسير عادي؛ فقد كان الرجل الذي ظل سنوات طويلة يقود المقاومة ويستعصي على محاولات إخضاعه.
وفي الخامس عشر من سبتمبر، قُدّم إلى محاكمة عسكرية انتهت بالحكم عليه بالإعدام شنقًا. وتصف مصادر تاريخية المحاكمة بأنها صورية وسريعة، فيما تشير روايات أخرى إلى أن ترتيبات تنفيذ الحكم كانت قد أُعدت قبل صدوره.
16 سبتمبر.. حين أرادوا أن يصنعوا من المشنقة نهاية
مع بزوغ صباح السادس عشر من سبتمبر 1931، اقتيد عمر المختار إلى مكان الإعدام في سلوق.
وأمام حشد كبير من الليبيين الذين أُجبر عدد منهم على حضور المشهد، نُفذ حكم الإعدام شنقًا في الرجل الذي أمضى سنوات يقاوم الاحتلال. وتشير روايات تاريخية إلى أن السلطات الإيطالية أرادت من مشهد الإعدام أن يكون رسالة إلى الليبيين، وأن يضع حدًا للمقاومة ويكسر معنويات أهل البلاد.
لكن التاريخ احتفظ بالمشهد بصورة مختلفة.
فلم تصبح المشنقة نهاية عمر المختار، بل بداية مرحلة جديدة من حضوره في الذاكرة الليبية.
لقد رحل الرجل، وبقيت سيرته.
«نحن لا نستسلم.. ننتصر أو نموت»
ارتبطت بعمر المختار عبارات كثيرة أصبحت جزءًا من الذاكرة الشعبية والتاريخية، ومن أشهرها العبارة المتداولة:
«نحن لا نستسلم.. ننتصر أو نموت».
كما ترد في مصادر وروايات تاريخية صيغة أطول للعبارة تتحدث عن استمرار مواجهة الأجيال القادمة للاحتلال، وعن بقاء أثر المختار بعد رحيله.
ومع اختلاف الروايات حول الصياغة الدقيقة لبعض الأقوال المنسوبة إليه، بقي المعنى الأهم حاضرًا: أن الرجل لم يتعامل مع الموت باعتباره نهاية لقضيته، وأن المقاومة في نظره لم تكن مرتبطة بحياة شخص واحد، وإنما بقضية تتجاوز عمر الفرد.
وهكذا أصبحت كلماته، بصيغها المختلفة، جزءًا من الذاكرة التي تناقلها الليبيون جيلاً بعد جيل.
من شهيد إلى رمز وطني
بعد إعدامه، لم يتراجع حضور عمر المختار في الذاكرة الليبية، بل اتسع مع مرور الزمن.
تحول الرجل الذي أراد الاحتلال أن يكون إعدامه إعلانًا لنهاية المقاومة إلى رمز للمقاومة والتحرر، وتجاوزت سيرته حدود ليبيا لتصبح حاضرة في الذاكرة العربية والإسلامية بوصفها نموذجًا لمواجهة الاستعمار.
ولعل المفارقة التاريخية الأبرز أن محاولة إسكات الرجل تحولت إلى سبب إضافي لبقاء صوته حاضرًا.
فالصورة التي بقيت في الذاكرة ليست صورة الأسير فقط، وإنما صورة الشيخ الذي تقدم إلى مصيره دون أن يتحول أسره إلى استسلام.
يوم الشهيد.. ماذا بقي من رسالة عمر المختار؟
بعد نحو قرن من استشهاده، لم يعد السؤال فقط: كيف عاش عمر المختار؟ وكيف قاتل؟ وكيف واجه نهايته؟
السؤال الأهم هو: ماذا تعني سيرته لليبيا اليوم؟
إن استحضار عمر المختار لا ينبغي أن يتحول إلى صورة معلقة على الجدران أو عبارة تُردد في المناسبات، وإنما إلى تذكير بقيمة الوطن، وبأن الأرض التي دافع عنها الشهداء ليست مجرد مساحة جغرافية، بل مسؤولية تاريخية تتوارثها الأجيال.
فالوفاء للشهداء لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بالحفاظ على الدولة ومؤسساتها، وصون المال العام، واحترام القانون، وحماية السيادة، والمحافظة على وحدة البلاد، ورفض تحويل الوطن إلى ساحة دائمة للصراع والانقسام.
لقد عاش عمر المختار زمنًا كان فيه الاحتلال يملك الجيوش والطائرات والآليات، بينما كانت المقاومة تملك ما هو أبعد من حسابات القوة المادية: الإصرار على عدم التخلي عن الأرض.
واليوم، لا تحتاج ليبيا إلى أن تستعيد زمن الحرب حتى تستعيد معنى تلك التضحية؛ بل تحتاج إلى أن تستعيد معنى المسؤولية.
يا أبناء ليبيا.. الوطن أمانة
في ذكرى يوم الشهيد، تقف سيرة عمر المختار أمام الليبيين جميعًا لا باعتبارها حكاية من الماضي فحسب، وإنما باعتبارها سؤالًا مفتوحًا على الحاضر والمستقبل.
فالرجل الذي صعد إلى المشنقة لم يحمل معه مدينة واحدة، ولا قبيلة واحدة، ولا منطقة واحدة؛ حمل قضية وطن.
ومن هنا، فإن الوفاء الحقيقي له ولشهداء ليبيا جميعًا يبدأ من إدراك أن الوطن أكبر من الخلافات، وأن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام، وأن مقدرات البلاد ليست ملكًا لجيل واحد، وإنما أمانة للأجيال القادمة.
لن نفرّط في ليبيا.
لن نسمح بأن تتحول الخلافات إلى طريق لضياع الوطن، ولا أن يصبح تاريخه مادة للنسيان، ولا أن تتحول مقدراته إلى غنيمة للصراع.
إن ليبيا التي دافع عنها عمر المختار تستحق أن نحميها اليوم بالكلمة الصادقة، والعمل المسؤول، واحترام القانون، ووحدة الصف، وصون مقدراتها.
لقد سقط جسد عمر المختار في السادس عشر من سبتمبر 1931، لكن الفكرة التي عاش من أجلها لم تسقط.
قد يموت الإنسان، لكن الوطن الذي آمن به لا ينبغي أن يموت.
وفي يوم الشهيد، لا نحتاج إلى أن نسأل ماذا قدم عمر المختار لليبيا؛ فقد قدم حياته.
ويبقى السؤال الذي يخص كل جيل:
ماذا سنقدم نحن لليبيا حتى تبقى وطنًا واحدًا، حرًا، كريمًا، محفوظ الأرض والتاريخ، للأجيال القادمة؟
رحم الله شيخ الشهداء عمر المختار، ورحم شهداء ليبيا جميعًا، وحفظ الله ليبيا أرضًا وشعبًا وتاريخًا، وجعل الوفاء لتضحيات الشهداء عملًا يُرى في حاضر الوطن ومستقبله، لا مجرد ذكرى تُقال كل عام.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية