منصة الصباح
"أنطولوجيا القصة القصيرة في تشاد".. جسرٌ أدبي يربط الضاد بروح أفريقيا

كيف تعيد “أنطولوجيا القصة القصيرة في تشاد” رسم خارطة السرد الأفريقي؟

خلود الفلاح

ظل الأدب التشادي زمناً طويلاً بمثابة الظل الذي نمر بجانبه دون أن نلتفت لملامحه؛ مساحة شاسعة من الجغرافيا قابعة في العتمة. لكن صدور “أنطولوجيا القصة القصيرة في تشاد” جاء ليزيل عن البلاد صورة نشرات الأخبار القاسية، واضعة المتلقي وجهاً لوجه أمام روحها الحقيقية: بلد ينبض بفن القص، ومشدود بين ذاكرة الصحراء وصخب التحولات المعاصرة.

صدرت هذه الأنطولوجيا ضمن سلسلة الأدب الأفريقي، عن منشورات رامينا (الطبعة الأولى ـ 2026)، جمعها وقدم لها الروائي طاهر النور، وقام بمراجعتها طارق كاريزي.

تضم المختارات نصوصاً لستة وعشرين قاصاً وقاصة ينتمون إلى أجيال وتجارب مختلفة، أسهموا في تطور فن القصة القصيرة في تشاد، حيث ضمت قصتين لكل كاتب، متبوعة بمقدمة تعريفية موجزة بالتجربة الإبداعية لكل منهم.

تكمن القيمة الكبرى في هذه المختارات في كونها مكتوبة بلغة الضاد، إذ تقتصر على النصوص العربية متجاوزة الأعمال المكتوبة بالفرنسية؛ وذلك بحسب ما أشار إليه مُعدّ الكتاب طاهر النور من أن الأعمال الفرنسية تحظى وحدها بالحظ الأوفر من الاهتمام على مستوى الدولة وعالمياً في الدول الناطقة بالفرنسية.

ومع ذلك، ظل هذا الأدب المكتوب بالعربية يواجه تساؤلات كثيرة: هل هو أدب أفريقي أم عربي؟ ومن هم قراؤه في بلد تعد الفرنسية اللغة الرسمية؟ لذا، تبقى الكتابة بالعربية مهمة شاقة للكاتب الأفريقي.

ويرى طاهر النور أن العمل يمثل حجر الأساس لتأسيس المشهد القصصي التشادي بكل ما يحمله من حمولات سردية تضج بها الخلفيات الدينية والاجتماعية والتناصات الجميلة، وما تفرزه من إيحاءات تنبض بروح الانعتاق والحرية، وتفتح فضاءات لا حدود لها لا يصل إليها سوى الخيال الجامح.

لماذا هذه الأنطولوجيا؟

يقول طاهر النور إن ما دفعه إلى التفكير في هذه المختارات هو أن الأدب العربي التشادي كان معرضاً للإهمال والضياع والتلف لعدة عوامل؛ من بينها غياب ثقافة التدوين، والمكتبات، والمنابر، ونوافذ النشر الثقافية. ولعل هذا ما جعل شعراء وأدباء كثيرين منسيين، أو شبه منسيين، أو لا تعثر من إنتاجهم سوى على شذرات من أعمالهم التي التقطها بعض الأكاديميين وألحقوها بمشاريعهم البحثية، قبل أن تطالها مياه النسيان.

ويتهم طاهر النور المبدع التشادي بأنه غير وفٍ للكتابة، ولا طموح له في التأليف؛ إنه يكتب القصيدة، أو القصة، أو الرواية، أو المسرحية، ولا يهتم لمصيرها بعد ذلك. الكتابة بالنسبة له لحظة عابرة، وليست مشروعاً يستحق الاهتمام والتضحية، والهدم والبناء العمر كله، حتى يصبح راسخاً وثابتاً.

ويتساءل: ألا يمكن أن تكون المشاريع الفنية جزءاً من الصراع الوجداني الذي واجهوه خلال مسيرة حياتهم؟ إنهم مشغولون للغاية بشيء آخر، قد يكون أقل أهمية في الحياة، ولهذا السبب تموت الموهبة في مهدها.

ولأجل ذلك كله، تأتي هذه الأنطولوجيا ضمن مشروع يسعى إلى تعريف القارئ العربي بآداب أفريقية قليلة الحضور في المكتبة العربية، لتقدم نصوصاً قصصية تعكس تعدد الرؤى والموضوعات في الأدب التشادي المعاصر، وتتيح الاطلاع على تحولاته من خلال أعمال تتناول أسئلة الحياة والمجتمع.

وختاماً، تشكل هذه الأنطولوجيا، في المحصلة، وثيقة إبداعية وأخلاقية تعيد رسم خارطة السرد العربي الحديث، مبرهنة على أن القصة التشادية تمتلك صوتها الخاص وجدارتها الفنية الكاملة للمنافسة داخل المشهد الأدبي العربي.

شاهد أيضاً

الطقس - خاص الصباح

الأرصاد: أمطار رعدية متفاوتة الشدة والحرارة تتراجع تدريجيًا من الغد

أكد المركز الوطني للأرصاد الجوية، إنه مازالت السحب الرعدية الممطرة تتكاثر على مناطق الشمال خاصة …