منصة الصباح
د. المهدي الخماس
د. المهدي الخماس

مواطن لا تكسره الأزمات

صباح الجمعة:

(حاول ان تقرأ كل المنشور وتستطيع الاتفاق والاختلاف).

المواطن الليبي مر بأزمات عديدة ويعيش بعضها الآن. وأعتقد أنه من العدل أن نشير إلى أنه مواطن له من الميزات ما يملي علينا إنصافه من خلال الدولة ومن خلال المواطن الليبي الآخر النشط في أوساط التواصل الاجتماعي مثل حالاتي أو الكاتب المحترف. فهو نوعا ما مواطن مستقر.

ولكنه يحمل في طبعه من النُّبل ما يستحق أن نحتفى به.

ومن يعرفنا نحن الليبيين عن قرب يدرك أننا مجتمع يملك رصيداً إنسانيا يصلح ان يكون أداة ممتازة لنهوضنا لو استثمرنا فيه الجهد المطلوب.

المواطن الليبي يتميّز “بـالفزعة”، تلك النخوة التلقائية التي تدفع الإنسان إلى إغاثة من حوله دون انتظار طلبٍ أو مقابل. وهذه قيمة عفوية حيّة نراها كل يوم في تكاتف الليبيين في حملات التبرع للعلاج بتونس أو توفير دواء أو تجهيز مكان المأتم وغيره من الأزمات.

نرى هذه العفوية في استقبال النازحين والمتضررين بصدرٍ رحب دون السؤال عن القبيلة أو الجهة. ظلت هذه القيمة صامدة لدينا كعمودٌ فقري أخلاقي يرفض الانكسار.

رأيت في قريتي ابوعيسى والقرى والمدن المجاورة وغيرها ما يبعث على التفاؤل. اخْتَلطتُ بتلك الفئة العمرية الشابة والطموحة التي لم تستسلم للظروف. شبابٌ يبحثون عن فرص التعلّم أينما كانت، يلتحقون بالدورات والمؤتمرات، ويسافرون طلباً للتطوير والتخصص، ويعود بعضهم حاملا معه رغبة صادقة في البناء. هذه الفئة العمرية وأعرفها عن قرب تستحق أن تُفتح أمامها الأبواب لا أن تُوصد. فهي تحاول أن تبدأ لتغيير الظروف، وترفض الإنتظار لتتغيّر الظروف.

إن مجتمعاً يحتفظ بهذا القدر من الطموح الفردي والفزعة لا ينقصه إلا بيئة مؤسسية تحتضن طاقاته وتوجّهها. والمطلوب اليوم خطوات عملية واضحة يمكن أن يتبنّاها القطاعان العام والخاص والمجتمع المدني معاً.

كل برنامج تدريبي يُفتتح داخل ليبيا هو استثمارٌا يُبقي الكفاءات في أرضها بدل تصديرها. يعني، حتى لو كان ناقصا. ندخل ثقافة التطوير لا ثقافة الإلغاء والحذف والإهدار.

ويُضاف إلى ذلك تطوير مناهج كليات الطب بما يواكب التطورات الحديثة، مع التركيز على التدريب السريري العملي لا الحفظ النظري.

لا يمكن للدولة وحدها أن تحمل عبء النهضة الصحية والتعليمية.

الشراكة مع القطاع الخاص بضوابط أخلاقية ورقابية واضحة تُسرّع البناء وترفع الجودة. تقنين المستشفيات الخاصة حسب معايير اعتماد معروفة.

وفتح برامج تدريبية يمكن أن تكون رافداً حقيقياً لا منافساً للقطاع العام.

قيمة “الفزعة” يمكن أن تتحول من ردّ فعل عفوي إلى منظومة مجتمعية مُنظَّمة.

يعني خلق ثقافة التطوع في المؤسسات التعليمية والصحية العامة والخاصة ودعمها بالتدريب والتمويل، يحوّل الطاقة الشعبية إلى قوة مؤسسية فاعلة ومستدامة ويُّمكِّن المتقاعدين من الإستمرار في العطاء.

الطموح وحده لا يكفي دون بوصلة. نحتاج ربط الشباب الليبي بأصحاب الخبرة في الداخل والخارج لنساعدهم على رسم مسارات مهنية واقعية ومنتجة. كل خبيرٍ ليبي في المهجر يمكنه أن يكون جسراً للمعرفة لا مجرد رقمٍ في إحصائيات استنزاف الأدمغة وانتقادات الفيس.

وكذلك خبراء الداخل. وهذا ما اشتغل عليه الآن في مبادرة إشراك الأطباء بالخارج في منظومة الصحة والتعليم الطبي في ليبيا.

الاستثمار في الإنسان الليبي ليس ترفاً، بل هو أقصر الطرق إلى استقرار حقيقي ونهضة مستدامة. والشعب الذي لا يزال يفزع للقريب والغريب في وقت الحاجة هو شعبٌ جدير بأن يُبنى له وطنٌ يليق بفزعته وبأن يُمنح الأدوات ليبنيه بيده.

———
ا. د . المهدي الخماس

جامعة ولاية أوهايو-الولايات المتحدة

الرئيس الشرفي للمنظمة الليبية لدعم التبرع بالأعضاء

شاهد أيضاً

مقال رأي لمفتاح الصغير المصباحي عن الترهل الإداري والإنتاجية في القطاع العام الليبي

مليون حافظ ومليونا موظف.. أين الحقيقة؟!!

مفتاح الصغير المصباحي في بلادنا لا يكادُ يمرُّ يومٌ دون أن نسمع رقماً جديداً عن …