ألرئيسيةالأخيرةجمال الزائديرأي

على قائمة الطعام ..

جمال الزائدي

 

لم يعد هناك شيء في هذا العالم  غير قابل للتسليع وغير خاضع لقانون السوق ومقتضيات الترويج.. فلقد أطاحت المنظومة  المهيمنة على كوكبنا بكل المقدسات التي حاولت الديانات السماوية والأيدولوجات الأرضية ، الذود عنها وحمايتها من موجات التجويف والتجريف والتسطيح… الاعتراف بهذا الواقع المشؤوم لا يعني الركون إليه ومن ثم التسليم بصحة المقولة البائسة التي بشرت  بنهاية التاريخ قبل ثلاثة عقود تحت وطأة الحماس والابتهاج بسقوط امبراطورية الاتحاد السوفياتي الغابر ودول ماكان يعرف بالمعسكر الشرقي..

التاريخ الإنساني كما قال ابن خلدون وكما ردد بعده علماء الاجتماع والانثربولوجيا عبر القرون ..هو تاريخ صعود وانحدار..وكما توهج في الماضي بلحظات روحية واشراقات ملهمة مع ظهور الرسالة الإسلامية قبل تسييسها  والديانة المسيحية قبل تغريبها والفلسفة اليونانية.. فلقد تلوث بعصور مديدة من الوحشية والقسوة والبلادة وسيطرة الحسية المادية وغياب كامل للقيم والمثل العليا..

عندما أطلت الجائحة الوبائية ” الكورونا” قبل عامين أو أكثر  برأسها المخيف ووسط الإضطراب  الذي اجتاح أركان الأرض الأربعة ..بدأت المختبرات والمعامل المتقدمة سباقها المحموم لتصنيع اللقاح المضاد ومع توالي الإعلان عن النجاح في التوصل إلى إكتشاف لقاح هنا أو هناك ..بدا ان العالم لم يعد عالما واحدا وان الجنس البشري الذي يفترض أن يواجه الوباء اللعين في جبهة موحدة قد انقسم إلى جنسين ..جنس غني وقادر ومتطور يحتكر اللقاح بحق ما يملك من أسباب القوة ..وجنس فقير وضعيف ومتخلف عليه أن ينتظر ماتجود به مبردات مخازن الدواء في دول أوروبا وأمريكا الشمالية من لقاحات زائدة عن الحاجة .. حتى نداءات وتحذيرات منظمة الصحة العالمية من أخطار التوزيع غير العادل للقاحات والذي يمكن أن يكون سببا مباشرا في استمرار العدوى لوقت أطول لم تجد نفعا في ردع المنطق الرأسمالي المختل  من المضي قدما في مسار التوحش وانعدام التعاطف الإنساني..

ستمضي هذه المحنة القاسية كما مضت سابقاتها لكن موعظة الأجيال التي عاصرتها ستكون أكثر قسوة باكتشافها ان الإنسانية برغم ما أبدعت في الفنون والآداب  والعلوم والأفكار وماحققته ظاهريا ونظريا من تقدم على صعيد حقوق الإنسان والمساواة وتعزيز الحريات فإنها في الواقع تعيش عصر الغابة بظلاميته القاتمة وقوانينه الغرائزية حيث مازال البقاء للأقوى وأما الضعفاء مازالوا وجبة رخيصة على ” منيو ”  قائمة الطعام ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى