منصة الصباح
مهندس طيران يشرح آلية Ramp Inspection لتفتيش الطائرات في المطارات الليبية
تفتيش الطائرات الأجنبية حق منصوص عليه في اللوائح الليبية

تعليقا على رحلة مصر للطيران: ماذا تستطيع السلطات الليبية أن تفعل؟

تعقيباً على ما أُثير خلال الأيام الماضية بشأن الصور التي ظهرت من داخل إحدى طائرات مصر للطيران، أعتقد أن النقاش يجب ألا يتوقف عند السؤال: هل الطائرة كانت نظيفة أم لا؟

الأهم هو: ماذا تستطيع سلطة الطيران المدني في ليبيا أن تفعل عندما تصل طائرة أجنبية إلى أحد مطاراتنا، وتظهر عليها مؤشرات تستدعي التحقق من حالتها؟ في أغلب منظومات الطيران المدني المتقدمة توجد آلية معروفة باسم Ramp Inspection، أي التفتيش على الطائرة وهي على أرض المطار، تقوم بها فرق تفتيش مخولة من سلطة الطيران المدني.

وهذا التفتيش لا يعني بالضرورة انتظار وقوع حادث أو تلقي شكوى من راكب. يمكن أن يكون التفتيش عشوائياً أو مبنياً على تقييم للمخاطر أو على معلومات سابقة، ويمكن أن يشمل وثائق الطائرة، تراخيص أفراد الطاقم، الإجراءات والأدلة الموجودة على متن الطائرة، معدات السلامة، حالة المقصورة، الشحن، وكذلك الحالة الفنية الظاهرة للطائرة.

وهذا هو المبدأ الذي يقوم عليه برنامج التفتيش الأوروبي SAFA/SACA. والأهم من ذلك أن التفتيش ليس مجرد إجراء شكلي. ففي النظام الأوروبي، على سبيل المثال، يتم تصنيف الملاحظات بحسب درجة خطورتها، وقد تؤدي المخالفات الجسيمة إلى طلب اتخاذ إجراء تصحيحي قبل السماح للطائرة بالمغادرة، أو فرض قيود تشغيلية، أو في الحالات الخطيرة جداً إيقاف الطائرة على الأرض Grounding إلى حين معالجة أسباب المخالفة.

وقد تصل الإجراءات، في بعض الحالات، إلى اتخاذ قرار يمنع طائرة معينة من دخول مطارات الدولة أو استخدام مجالها الجوي إلى أن يثبت المشغل معالجة أوجه القصور. لكن المفاجأة أن هذا المبدأ موجود في اللوائح الليبية نفسها.

فاللوائح الليبية لعمليات الطيران تتضمن، ضمن SUBPART RAMP – Ramp Inspections، أحكاماً صريحة بشأن تفتيش طائرات المشغلين الأجانب عند هبوطها في المطارات الواقعة داخل الأراضي الليبية.

وتنص اللائحة على أن الطائرات وأطقمها تخضع للتفتيش وفق المتطلبات المعمول بها، وأن مصلحة الطيران المدني يمكنها إجراء تفتيش ضمن برنامج الرقابة، كما يمكنها إجراء تفتيش لطائرة يُشتبه في عدم امتثالها للمتطلبات.

كما تنص على وضع برنامج سنوي للتفتيش يعتمد على المعلومات التاريخية، وعدد الرحلات، وطبيعة المشغلين، ومستوى مخاطر السلامة. وهذا يعني أن لدينا، من حيث المبدأ، الإطار التنظيمي الذي يسمح للسلطة الليبية بأن تتعامل مع مثل هذه الحالات مهنياً، بعيداً عن ردود الفعل الإعلامية أو الانطباعات الشخصية.

فإذا ظهرت، مثلاً، مؤشرات واضحة على سوء حالة المقصورة أو وجود عيوب أو أوجه قصور فنية أو تشغيلية تستدعي التحقق، فالأداة المهنية ليست فقط نشر الصور على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما إرسال Ramp Inspection Team إلى الطائرة، وإجراء فحص موثق بقائمة تحقق، وتسجيل النتائج وتصنيفها، ثم مطالبة المشغل بالإجراءات التصحيحية المناسبة.

وهنا يجب أن نكون أكثر دقة: اتساخ المقصورة وحده لا يعني أن الطائرة غير صالحة للطيران، ولا يمكن من خلال الصور وحدها إصدار حكم على صلاحيتها الفنية أو سلامة الرحلة.

لأن بعض شركات الطيران الليبية تعاني من ذات العيوب.

لكن في الوقت نفسه، فإن وجود مظاهر واضحة لسوء حالة المقصورة أو الصيانة أو النظافة يمكن أن يكون مؤشراً يستحق التحقق الرسمي، خصوصاً إذا تكررت الملاحظات أو ظهرت مؤشرات أخرى مرتبطة بالحالة الفنية أو التشغيلية.

والفكرة الأساسية من نظام التفتيش ليست معاقبة شركة طيران لمجرد وجود ملاحظة، وإنما اكتشاف الخلل، توثيقه، تصنيفه حسب مستوى خطورته، والتأكد من معالجته ومنع تكراره.

حتى في برنامج SAFA الأوروبي، لا تعتبر نتيجة تفتيش واحدة حكماً نهائياً على صلاحية الطائرة؛ فالـ Ramp Inspection هي فحص لحظي ومحدود، ولا يمكن أن تحل محل الرقابة المستمرة على المشغل أو سلطة الطيران في دولة التسجيل.

والسؤال هنا للسلطات الليبية: هل لدينا برنامج فعّال ومنتظم لـ Ramp Inspection على الطائرات الأجنبية التي تهبط في مطاراتنا؟ وهل يتم توثيق نتائج هذه inspections وتحليلها؟ وهل توجد قاعدة بيانات للملاحظات المتكررة على الشركات والطائرات؟ وهل يتم تصعيد مستوى التفتيش عندما تتكرر المخالفات؟ وهل تستخدم السلطة صلاحياتها التنظيمية عندما تكون هناك مخالفات تمس السلامة أو الالتزام بالمتطلبات؟ والأهم: هل يمكن أن تتحول شكوى الراكب أو الصور التي ينشرها على وسائل التواصل الاجتماعي من مجرد مادة للجدل، إلى معلومة Safety Information تدخل في منظومة الرقابة على السلامة؟ هذا هو التعامل الذي نحتاجه.

ليس المطلوب أن نقول إن طائرة مصر للطيران كانت “غير آمنة” بناءً على صور، وليس المطلوب أيضاً الدفاع عنها لمجرد أنها شركة كبيرة. المطلوب ببساطة أن تقوم سلطة الطيران المدني بدورها الرقابي: تفتيش، توثيق، تصنيف، إخطار، إجراءات تصحيحية، متابعة، ثم اتخاذ الإجراء المناسب إذا ثبت وجود مخالفة. فالطيران المدني لا يُدار بالانطباعات… بل بالأدلة، وقوائم التفتيش، وتصنيف المخاطر، والإجراءات التصحيحية.

والأهم أن التشريعات الليبية لا تترك هذا الأمر بلا إطار؛ فاللوائح المنشورة من مصلحة الطيران المدني تتضمن بالفعل أحكاماً خاصة بتفتيش طائرات المشغلين الأجانب على أرض المطارات الليبية.

وقد يكون ما حدث فرصة ليس فقط لمناقشة حالة طائرة بعينها، وإنما لطرح سؤال أكبر: هل نمارس الرقابة على الطيران المدني كما ينبغي، أم أننا لا نتحرك إلا بعد أن تتحول الملاحظة إلى صورة على فيسبوك؟

مهندس رامز النويصري  – مدير مكتب الجودة الفنية بشركة طيران النفط

شاهد أيضاً

صورة مركبة تجمع بين بورتريه لأبو عجيلة المريمي وحطام طائرة لوكربي، ترمز لمحاكمته بتهمة تفجير الطائرة.

أدلة أجنبية في محاكمة المواطن الليبي “أبوعجيلة المريمي”

تستعدُ المحكمة الجزئية الأميركية لمقاطعة “كولومبيا” لبدء إجراءات محاكمة المواطن الليبي أبوعجيلة مسعود المريمي”، المتهم …