منصة الصباح
جمعة بوكليب

المحطة قبل الأخيرة

جمعة بوكليب
زايد…ناقص

اعتادَ الناسُ تشبيه الحياة برحلة قطار تبدأ من محطة وتنتهي في واحدة أخيرة، ولا يبدون مبالاة لما بين المحطتين، الأولى والأخيرة، من محطات عديدة ومختلفة. وهم مُحقون في ذلك. فالمحطات قبل الأخيرة، عادة ما تكون صغيرة، وشبه مهجورة، وأغلب الأوقات تصلها القطارات وهي شبه فارغة من الركاب. والذين يغادرون القطارات في تلك المحطات يكونون -في الغالب- مُجبرين، ولا رغبة لديهم في المغادرة، لكن حينها يتوجب عليهم النزول.

الإحالة على التقاعد، في رأيي، لا تختلف عن أن تكونَ راكباً في قطار وتغادره في واحدة من تلك المحطات قبل الأخيرة، الصغيرة وشبه المهجورة، مُجبرًا، دون توقع أن يكون أحدٌ في انتظارك. تغادر المحطة فتجد الشوارع مزدحمة بالناس، وبالسيارات، وبالضجيج، وبالحياة؛ فلا يلتفت إليك أحد، ولا تعرف أحداً. فتتوقف مُقلّباً عينيك في السماء لعل علامة تضيء وتدلك على أيّ الطرق أصلح للسير، لكن السماء تتجاهل نظراتك. لحظتها، يتبين لك أنك وصلت إلى محطة منها كل الطرق تقود إلى “روما.” في تلك المرحلة العُمرية والوضعية الصحية، تكون روما الموعودة قريبة، على مسافة محطة واحدة فقط، لكنها أخيرة: فماذا تفعل؟

في المحطة قبل الأخيرة، تلتفت منزعجاً إلى الخلف، فتبدو لك مسافة الرجوع غير ممكنة. تلك اللحظات تكتشف أنك عُدت وحيداً. أصدقاؤك نزلوا قبلك في محطات سابقة. وأحلامك -أو ما تبقى منها- فقدت صلاحيتها بفقدانك القدرة على تحقيقها.
هناك، وحيدًا، تكتشف -لأول مرة- أن عليك تحمّل رفقة نفسك التي هربت منها كل تلك السنوات.

بين التوقف وانتظار قطار يقودك إلى “روما” الموعودة، أو حمل حقيبتك ومواصلة السير في طريق لا تعرفه من قبل ولا تريده، تختار الحل الأخير والأصعب؛ فضولاً في اكتشاف ما لا تعرف، وطمعًا في تذوق عسلٍ قيل في كتب الأوّلين إنه يتموضع في جهة غير بعيدة، من محطة قطارات صغيرة وشبه مهجورة، ليس بعدها سوى محطة أخيرة.

شاهد أيضاً

أحلام محمد الكميشي

ما معنى أن يكون للمرأة يوم وطني؟

كان الأفضل أن يُمنح اليوم الوطني للمرأة الليبية، أبعادًا أعمق تمس واقعها وتطلعاتها. وأن يكون …