كان الإنسان الأول يأكل ما تنبته الطبيعة في موسمها ويشرب مما يجري في صفائها ويتغذى وفق إيقاع الفصول وليس وفق إيقاع الأسواق، ولم تكن هناك أنظمة غذائية ولا مكملات فكانت الحياة نفسها هي النظام وكان الجسد في انسجامه مع الطبيعة يعرف ما يحتاجه دون وساطة،
وكانت الحبوب كاملة لم تُنزع منها روحها وكانت اللحوم طبيعية لم تُسرع نموها هرمونات ولا مضادات وكانت الأرض تُزرع لتُغذي لا لتُنتج، وفي تلك المرحلة لم يكن الغذاء مجرد وسيلة للبقاء إنما كان جزءًا من منظومة شفاء ذاتي متكاملة فالعلاقة بين الإنسان وغذائه لم تكن علاقة استهلاك كانت علاقة توازن، ومع نشوء الحضارات بدأ الإنسان ينتقل من جمع الغذاء إلى إنتاجه
وهنا حدث التحول الأول من الانسجام مع الطبيعة إلى محاولة تنظيمها فظهرت الزراعة المنظمة وتدجين الحيوانات وتخزين الغذاء وكان هذا التحول في ظاهره تقدمًا لكنه في عمقه كان بداية فصل تدريجي بين الإنسان والطبيعة ومع ذلك ظل الغذاء حتى القرن التاسع عشر قريبًا من أصله طبيعيًا موسميًا محليًا بسيطًا،
ثم جاءت الثورة الصناعية فلم تدخل الآلة إلى المصنع فقط ودخلت إلى المطبخ أيضًا وبدأت عمليات التكرير والتعليب والحفظ الكيميائي والتصنيع الغذائي وهنا فقد الغذاء حياته فأصبح القمح دقيقًا أبيض منزوع النخالة وأصبح السكر مادة مكررة خالية من سياقها الطبيعي وأصبحت الزيوت مهدرجة تُصنع لتدوم لا لتُغذي وهنا بدأ أول انفصال حقيقي بين الغذاء كحياة والغذاء كمنتج،
وفي منتصف القرن العشرين ظهرت ما سُمي بالثورة الخضراء والتي هدفت إلى زيادة الإنتاج ومقاومة الجوع وتحسين المحاصيل لكن الوسائل كانت أسمدة كيميائية مكثفة ومبيدات حشرية وبذور معدلة وراثيًا وزراعة أحادية وهنا تحولت الأرض من كائن حي إلى وحدة إنتاج ثم جاءت الهندسة الوراثية لتدخل الإنسان في صميم الشفرة الحيوية للكائنات فتُعدل جينات النباتات لزيادة الحجم أو مقاومة الآفات وتُسرع نمو الحيوانات وتُنتج سلالات هجينة وهنا لم يعد الغذاء فقط مُصنّعًا بل أصبح مُعاد التصميم،
وفي العقود الأخيرة لم يعد الهدف من الغذاء هو الصحة إنما الربح والاستهلاك والإدمان الغذائي فظهرت صناعة غذائية قائمة على الأطعمة فائقة المعالجة والإضافات الكيميائية والدهون الصناعية والسكريات المخفية وأصبح الغذاء يُصمم ليكون أكثر إغراء وأكثر إدمانًا وأقل تكلفة إنتاج حتى لو كان ذلك على حساب الصحة، وفي الماضي كانت الأمراض مرتبطة بنقص الغذاء كسوء التغذية ونقص الفيتامينات أما اليوم فنحن نعيش مفارقة مرعبة وفرة غذائية وأمراض أكثر فظهرت أمراض لم تكن بهذا الانتشار كالسمنة والسكري من النوع الثاني وأمراض القلب والسرطان وأمراض المناعة الذاتية واضطرابات الميكروبيوم ولم يعد السبب فقط كم نأكل إنما ماذا نأكل وكيف صُنع،
ولم يتوقف التأثير عند الجسد بل امتد إلى التربة التي فقدت خصوبتها الطبيعية والمياه التي تلوثت بالمبيدات والأسمدة والهواء الذي يحمل انبعاثات صناعات الغذاء والتنوع الحيوي الذي تراجع واختفت منه أنواع كاملة وكأن الإنسان في سعيه لإنتاج الغذاء بدأ يستهلك شروط وجوده ذاته،
والسؤال العميق هنا ليس طبيًا فقط بل وجودي هل ما نعيشه هو تطور أم انحراف عن مسار الطبيعة فقد أصبح الإنسان يأكل ما لم تُصممه الطبيعة ويعيش في بيئة لم تُهيأ له ويعالج أمراضًا هو نفسه صنع أسبابها وهنا تتجلى المفارقة الكبرى نحن نصنع الغذاء ثم نصنع الدواء لنعالج أثره،
والحل ليس في رفض العلم ولا في تمجيد الماضي بشكل رومانسي إنما في إعادة ضبط العلاقة بين الإنسان والغذاء من خلال العودة إلى الغذاء الطبيعي قدر الإمكان وتقليل الأطعمة المصنعة واحترام التنوع الغذائي ودعم الزراعة المستدامة وفهم أن الغذاء ليس سعرات بل معلومات حيوية تدخل الجسد،
فالغذاء ليس مجرد ما نضعه في أفواهنا بل ما يُعيد تشكيل خلايانا وأفكارنا وصحتنا ومستقبلنا وقد انتقل الإنسان من أن يكون جزءًا من دورة الحياة إلى أن يصبح مهندسا لها ثم ربما دون أن يدري مهددًا لها ويبقى السؤال مفتوحًا هل سنستمر في هذا المسار حتى نهايته أم سنستعيد حكمة البدايات بعقل العلم ووعي العصر.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية