الأمراض النفسية والعقلية حكايات إنسانية ثقيلة تختبئ خلف جدران البيوت، وتُروى بصمت مؤلم لا يسمعه أحد. في ليبيا اليوم نقف أمام أزمة صحية خطيرة وانهيار في أحد أخطر وأهم أركان المنظومة الصحية وهي الصحة النفسية والعقلية.
إن الأعداد تتزايد بشكل مقلق ومخيف. الزهايمر يسرق الذاكرة من أصحابها، والخرف يُطفئ ملامح الحياة تدريجيًا، والتوحد يحتاج إلى رعاية خاصة غير موجودة، والانفصام يترك المرضى في عزلة قاسية، والأمراض النفسية الأخرى متعددة ومعقدة، أما الإدمان فقد تحول إلى كارثة اجتماعية تُهدد كل بيت. لم يعد الخوف من المرض فقط إنما أصبح الخوف من الوقوع فيه أو أن يصيب أحد الاباء أو الأمهات أو الأبناء أو البنات. ورغم هذا التصاعد المرعب فإن الواقع أكثر قسوة لأن الخدمات الإيوائية شبه معدومة، والرعاية المنزلية غائبة تماما والعيادات نادرة، والأدوية مفقودة والمستشفيات محدودة جداً ولا تكاد تُذكر. وما هو موجود في الغالب مهمل وقديم ومهمش. والكوادر قليلة جدًا، وتتحمل عبئًا يفوق طاقتها، وتعمل في ظروف صعبة جدا بلا دعم كافي ولا بيئة علاجية متكاملة. أما الوصمة الاجتماعية فهي الجرح الأعمق. وصمة تُخيف المريض من طلب العلاج وتُرهق الأسرة بالصمت، وتُثقل كاهل الطبيب، حتى يصبح المرض النفسي عبئًا مزدوجًا في ألم داخلي وخوف خارجي. هذه ليست أزمة خدمات فقط إنها أزمة وعي وأزمة نظام وأزمة إنسان. فما الذي يجب أن يكون؟ إن النهوض بالصحة النفسية ليس خيارًا إنما ضرورة وجودية لبقاء المجتمع متماسكا. والحل لا يكون جزئيًا إنما بمنظومة متكاملة تعيد الاعتبار للإنسان قبل المرض.
– أولًا: دمج الصحة النفسية في الرعاية الصحية الأولية ويجب أن تكون عيادات الصحة النفسية جزءًا أساسيًا من كل مركز رعاية أولية، قريبة من الناس، وسهلة الوصول وتقدم خدمات الكشف المبكر والدعم النفسي دون تعقيد أو وصمة.
– ثانيًا: إنشاء مستشفيات ومراكز حديثة متخصصة
ليست مجرد مباني للعلاج إنما بيئات إنسانية شاملة ومفتوحة وهادئة وتحتوي على حدائق، ومساحات خضراء، ومسارح وأنشطة تأهيلية. وأماكن تُعيد للإنسان توازنه ولا تُشعره بالعزلة أو العقاب.
– ثالثًا: توفير الرعاية المنزلية المتخصصة، هناك آلاف الحالات المزمنة والمعقدة لا تستطيع الوصول للمؤسسات الصحية. وهؤلاء يحتاجون إلى فرق طبية متنقلة، تشمل أطباء وممرضين وأخصائيين نفسيين، مع تدريب الأسرة ودعمها نفسيًا وماديًا.
– رابعًا: زيادة وتأهيل الكوادر البشرية إنها ضرورة ماسة لزيادة عدد الأطباء والأخصائيين، مع برامج تدريب متقدمة، وتخفيف الأعباء عنهم، وتحسين بيئة العمل، لأن جودة الخدمة تبدأ من الإنسان الذي يقدمها.
– خامسًا: برامج وطنية لمكافحة الإدمان. إن الإدمان ليس انحرافًا إنه مرض يحتاج إلى علاج. ويجب إنشاء مراكز متخصصة حديثة تقدم العلاج والتأهيل وإعادة الإدماج، مع برامج وقائية تستهدف الشباب قبل الوقوع في هذه الدائرة.
– سادسًا: حملات توعية مستمرة لمحاربة الوصمة
ويجب أن يتحول الحديث عن الصحة النفسية إلى أمر طبيعي مثل أي مرض آخر. والإعلام والتعليم والمساجد كلها أدوات يجب أن تُستخدم لكسر الخوف وتشجيع العلاج المبكر. لا يمكن لمجتمع أن يتعافى وهو يترك أضعف أفراده يواجهون الألم وحدهم. ولا يمكن لدولة أن تتقدم وهي تُهمش العقل وتُهمل النفس. إن ما نحتاجه اليوم ليس فقط مستشفيات أو أطباء إنما في حاجة لرؤية إنسانية شاملة تعترف بأن كرامة الإنسان تبدأ من سلامته النفسية. وهذه دعوة صادقة وناقوس خطر وصوت لكل من لا صوت له. فإما أن نتحرك الآن ببناء منظومة حديثة عادلة رحيمة، أو نترك الألم يتسع حتى يطال الجميع.
*الصحة النفسية مسؤولية وطن وكرامة إنسان*.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية