الأخيرةجمعة أبوكليبرأي

الرحلةُ إلى حُوش العرس

 

زايد…ناقص

جمعة بوكليب

 

 

إذا كنتَ قاصداً حُوش العرس، ويهمكَ أن تصلَ سالماً، وفي وقت ملائم، فليس مُهماً اطلاقاً، في رأيي، ما تحمله فوق رأسك، سواء أكان قصعة، أو قُفة، أو حتى سَبَاتْ، إن كنتَ لا تعرف الطريق التي تقود إليه، ولا تدري موقعه على الخريطة. قد تضطر حين تتعب من الدوران والطواف في الشوارع إلى توقيف العابرين في الطريق لسؤالهم.  بعضهم ناس ملاح ربما يحاولون مساعدتك، وتوجيهك إلى العنوان إن كانوا يعلمون، وستجد أن معظمهم يكتفون بهزة من رؤوسهم بالنفي. وتكتشف أن أغلب الآخرين  لا يعرفون، لكنهم يجدون الفرصة مواتية لاستعراض أهميتهم أمامك، فيوزعونك عيني عينك، و بدورك تشكرهم على التوزيعة – المساعدة. لكنك بعد فترة قصيرة من الوقت ، تجد نفسك مُطوّحاً في براري وقفار لا علاقة لها بحوش العرس، بل بالتعب و بالخيبة والفشل والندم. هذه ليست دعاية مجانية منّي لأهمية أن تعرف الجهة المقصودة من رحلتك في العالم، سواء أكانت طويلة أم قصيرة، وماذا تريد من هذه الحياة الدنيا.  وتذكر دوماً أن العجلة من الشيطان كما يؤكد مثل قديم، وأن الشيطان، كما يقولون، يفضل الكمون في التفاصيل، وإذا لم يكن لديك وقت لقراءة التفاصيل وفهمها، فتأكد أنك تشرع الأبواب أمام أمور أخرى، وأن الشيطان الذي تتعوذ منه كل يوم، وتسأل الله أن يقيك شره، سوف لن  يتأخر كعادته في التواجد، و التدخل في شؤون حياتك من دون إذن منك، وأداء مهامه بحرفية تحسده عليها حتى الملائكة، وستكون نديماً الندم. والندم بطبيعته، كما يعرف الجميع، لا يعلّم شيئاً، ولا يزيد إلاّ في مراكمة الحسرة والألم في القلوب. والذين منّا يعرفون هذه البديهة المنطقية والبسيطة، لابد أنهم يعرفون كذلك أن المعرفة المقصودة، أقصد المتعلقة بحوش العرس المراد والهدف المأمول، لا تأتي من السماء  مغلفة ومعبأة في قراطيس زي حلوى الكونفيتي، وتوزع حسب الحظوظ، بل تأتي بالمراس والخبرة والتعلم ، نقطة نقطة، وتتراكم  تدريجياً عبر سنوات من الجهد والكدح والعمل الدؤوب.

وضوح الهدف يجيء من وضوح الفكر وبهما ينجلي عتم الطريق، ويصير السفر واضحاً، حتى وإن اتصفت  بعض مراحله بالصعوبة. لكنك تصل إلى تحقيق هدفك في الوقت المناسب، وهناك يمكنك أن تتخفف من ثقل القصعة أو القفة او السبات الذي تحمله فوق راسك، ويمكنك أيضاً التمتع بالاقامة في حوش العرس، والاستمتاع بما يوفر أهله من مأكولات وأطايب وفنون.

وبالطبع، ما ذُكر أعلاه لا يعني أن كاتبه قد وعى مبكراً بالأمر، ونجا من ضلال الطريق، ووصل إلى الهدف المنشود واستراح، بل العكس هو الصحيح. فأنا على بعد خطوات صغيرة من تسلق الدرجة السبعين من سلم الزمن هبوطاً إلى مرفأ أخير. وما زلتُ، إلى حد الآن، أحمل فوق رأسي أكثر من قصعة، وأبحث يائساً عن مكان حوش العرس. ويبدو أنني أكثرت، في بداية الرحلة، من سؤال العابرين. وأن سوء الحظ حالفني، وكل من سألتهم وزّعوني، حتى أُرهقتُ من التجوال والطواف، ولم تعد ركبتاي قادرتين على حملي، وكلما قاومت تعبي وواصلت السير، كلما ابتعدت عن هدفي. وها أنا الأن أعترف أنني قد وصلت إلى مرحلة لم أعد فيها قادراً على مواصلة السير إلى الامام، أو العودة إلى نقطة البداية. وفي ذات الوقت من المستحيل عليَّ التوقف في النقطة التي وصلت إليها، وليس في جرابي ما يكفي من زاد.  فما العمل؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى