منصة الصباح

الاقتصاد الليبي: بطالة مرتفعة ووظائف مفقودة

 

الصباح – تقرير

 تُعدُّ الدولة الليبية أكبر ربّ عمل في البلاد من خلال القطاع العام، إلا أن معدلات البطالة ما تزال عند مستويات مرتفعة مقارنة بالعديد من الدول العربية والإفريقية.

وتشير بيانات مستندة إلى تقديرات منظمة العمل الدولية، إلى أن معدل البطالة في ليبيا بلغ نحو “18.8%” خلال عام “2025”، بينما تجاوزت بطالة الشباب حاجز “50%” من الفئة العمرية بين “15 و24” عاماً، وهي من أعلى المعدلات في المنطقة العربية..

وتعكس هذه الأرقام أزمة هيكلية ممتدة في سوق العمل الليبي، إذ يتخرج آلاف الشباب سنوياً من الجامعات والمعاهد دون أن يجدوا فرص عمل حقيقية تتناسب مع تخصصاتهم أو تطلعاتهم المهنية، في ظل اقتصاد يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط والإنفاق الحكومي..

 

نقص المهارات في غياب التدريب المهني..

 يرى خبراء الاقتصاد أن أحد أبرز أسباب البطالة في ليبيا يتمثل في ضعف منظومة التدريب المهني والتقني، وتراجع دور المعاهد والمراكز المتخصصة القادرة على تأهيل الشباب للمهن المطلوبة في سوق العمل..

ففي الوقت الذي تحتاج فيه قطاعات الإنشاءات والصيانة والصناعات الخفيفة والخدمات الفنية إلى عمالة مدربة، يتجه أغلب الطلبة نحو التعليم الجامعي النظري، ما يخلق فجوة متزايدة بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد. وتؤدي هذه الفجوة إلى عزوف الشركات والمؤسسات عن توظيف الخريجين الجدد، مقابل الاعتماد على عمالة أجنبية تمتلك خبرات ومهارات عملية جاهزة..

 

انعدام القاعدة الصناعية..

 وتبرز مشكلة أخرى تتمثل في غياب قاعدة صناعية وطنية واسعة، تستطيع استيعاب الأعداد المتزايدة من الباحثين عن العمل. فبعد عقود من الاعتماد على عوائد النفط، لم تنجح ليبيا في بناء قطاع صناعي كبير قادر على خلق وظائف مستدامة، سواء في القطاع العام أو الخاص..

كما أن العديد من المصانع والشركات الإنتاجية التي كانت تعمل في السابق توقفت أو تراجع نشاطها خلال السنوات الماضية، نتيجة الاضطرابات السياسية والأمنية وضعف الاستثمار.. وأدى ذلك إلى انحسار فرص التشغيل في القطاعات الإنتاجية، وتحول أغلب فرص العمل إلى وظائف حكومية إدارية أو أعمال خدمية محدودة القيمة المضافة..

 

العمالة الوافدة.. احتياج اقتصادي أم منافس مباشر؟!

 وتشير تقديرات غير رسمية إلى وجود مئات الآلاف من العمالة الأجنبية العاملة في ليبيا، في قطاعات البناء والتجارة والخدمات والنقل والزراعة، فيما تواصل وزارة العمل والتأهيل توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم مع عدد من الدول لتنظيم واستجلاب العمالة الوافدة..

ورغم أن بعض القطاعات تعاني بالفعل من نقص العمالة الماهرة، فإن منتقدين لهذه السياسات يرون أن التوسّع في استقدام العمالة الأجنبية قبل معالجة مشكلات التدريب والتشغيل المحلية، قد يزيد من صعوبة حصول الشباب الليبي على فرص عمل، خاصة في الأعمال الفنية والمهنية متوسطة المهارة..

كما يعتقد اقتصاديون أن الأولية يجب أن تكون لإعادة تأهيل الكوادر الوطنية، وتطوير برامج التدريب المهني قبل التوسع في استيراد اليد العاملة. 

تحويلات العمالة وزيادة الطلب على العملة الصعبة**.

 ولا تقتصر آثار العمالة الوافدة على سوق العمل فقط، بل تمتد إلى سوق النقد الأجنبي. فجزء كبير من دخول العمالة الأجنبية يتم تحويله إلى الخارج سنوياً، ما يخلق طلباً مستمراً على العملات الأجنبية ويزيد الضغوط على احتياطيات النقد الأجنبي والسوق المحلية..

ويرى مختصون أن تنامي الطلب على الدولار والعملات الأجنبية لأغراض التحويلات الخارجية، بالتزامن مع الطلب التجاري والاستهلاكي، يساهم في زيادة نشاط السوق الموازية للعملات، خاصة عندما تتعذر تلبية كامل الطلب عبر القنوات الرسمية..

كما ينعكس ارتفاع أسعار العملات الأجنبية بصورة مباشرة على تكلفة الاستيراد، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات وزيادة الأعباء المعيشية على المواطنين..

 

اقتصاد ريعي في حلقة مفرغة..

 إن معالجة البطالة في ليبيا لا يمكن أن تتم عبر التوظيف الحكومي وحده، خصوصاً في ظل تضخم بند المرتبات الذي يستهلك جزءاً كبيراً من الإنفاق العام، إذ أن الحل يكمن في تبنّي استراتيجية اقتصادية طويلة الأمد، تقوم على تنويع مصادر الدخل، وإحياء القطاع الصناعي، وتوسيع برامج التدريب المهني والتقني، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي المنتج..

فبدون اقتصاد قادر على خلق وظائف حقيقية خارج القطاع الحكومي، ستبقى معدلات البطالة مرتفعة، وسيستمر الشباب الليبي في مواجهة صعوبات متزايدة للدخول إلى سوق العمل، بينما تتواصل الضغوط على النقد الأجنبي ومستويات المعيشة في البلاد..

** غياب إحصاءات رسمية منشورة وحديثة من الجهات الليبية تُحدّد بدقة حجم العمالة الوافدة، أو إجمالي تحويلاتها السنوية إلى الخارج..

شاهد أيضاً

صندوق النقد الدولي: إعادة إنتاج النفط إلى مستواه ستستغرق وقتا

صندوق النقد الدولي: إعادة إنتاج النفط إلى مستواه ستستغرق وقتا

رحبت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا الاثنين بتوصل طهران وواشنطن إلى اتفاق، لكنها …