طارق بريدعة
كل صباح، يقف مرضى الأورام في ليبيا أمام أبواب مراكز العلاج بأمل واحد: الحصول على جرعة قد تؤخر انتشار المرض أو تمنحهم فرصة جديدة للحياة. لكن هذا الأمل يصطدم في كثير من الأحيان بواقع مختلف؛ جرعات تتأخر، وأدوية تختفي من بعض المراكز، ورحلات علاج طويلة يقطعها المرضى مئات الكيلومترات بحثًا عن دواء قد يكون متوفرًا في مدينة أخرى.وفي الأسابيع الأخيرة، عاد ملف أدوية الأورام إلى واجهة الجدل من زاويتين متلازمتين: الأولى تتعلق بتداول صور ومعلومات عن أدوية منتهية الصلاحية داخل مركز أورام سوكنة بالجفرة، والثانية باستمرار شكاوى المرضى من عدم انتظام توريد الأدوية وتأخر وصولها إلى المراكز العلاجية رغم الإعلان عن وصول شحنات جديدة.
أدوية منتهية الصلاحية… من المسؤول؟

أثار تداول صور لأدوية قيل إنها منتهية الصلاحية داخل مركز أورام سوكنة موجة واسعة من التساؤلات بشأن سلامة منظومة توريد أدوية الأورام والرقابة عليها، خصوصًا أن الأمر يتعلق بعلاج لا يحتمل الخطأ أو التأخير.
رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة السرطان، حيدر السائح، سارع إلى نفي أي علاقة للهيئة بهذه الأدوية، مؤكداً أن مركز أورام الجفرة غير معتمد من قبل الهيئة، وأن جميع الأدوية التي توفرها الهيئة يتم استيرادها مباشرة من الشركات العالمية المصنعة عبر القنوات الرسمية، بعد إيقاف التعامل مع شركات التوريد المحلية.
وشدد السائح على أن الهيئة تعتمد سياسة الاستيراد المباشر من المصانع الأوروبية والأمريكية لضمان جودة العلاج، نافياً بشكل قاطع توريد أي دواء مهرب أو منتهي الصلاحية، وذهب إلى حد القول: “أطالب بإعدامي شنقاً في ميدان الشهداء إذا ثبت أنني جلبت دواءً مهرباً أو منتهي الصلاحية”.
كما أوضح أن الأدوية التي أثير الجدل حولها في سوكنة لم تُورَّد من قبل الهيئة، وإنما وصلت إلى المنطقة عبر إحدى الجمعيات الخيرية على شكل تبرعات.
ورغم هذا النفي، بقي السؤال قائماً: إذا لم تكن الهيئة مسؤولة عن تلك الأدوية، فمن هي الجهة التي سمحت بوصول أدوية منتهية الصلاحية إلى مركز يقدم خدمات لمرضى الأورام؟ وهل تخضع جميع الجهات التي توفر العلاج للرقابة نفسها؟
أزمة التوريد… الدواء يصل متقطعاً
وبعيداً عن قضية الأدوية المنتهية الصلاحية، تبدو المشكلة الأكثر تأثيراً على المرضى هي عدم انتظام وصول العلاج.
ففي تصريح لـ”منصة الصباح”، أكد رئيس الهيئة أن الأزمة لا تكمن في منظومة توزيع الأدوية، بل في تأخر توفير المخصصات المالية اللازمة للاستيراد، موضحاً أن الهيئة لا تزال تعمل بالمخصصات المالية المعتمدة لعام 2024، رغم مرور أكثر من عام ونصف، وهو ما اضطرها إلى تنفيذ عمليات توريد متقطعة لضمان استمرار العلاج إلى حين الإفراج عن الاعتمادات الجديدة. وأضاف أن جميع عمليات صرف الأدوية تتم عبر منظومة إلكترونية تتيح تتبع حركة العلاج، نافياً ما يتردد عن اختفاء الأدوية من المراكز الصحية بعد توزيعها. وأوضح أن بعض المرضى يتسلمون جزءاً من البروتوكول العلاجي، فيما تتأخر أصناف أخرى بسبب تأخر وصول الشحنات أو الإجراءات اللوجستية، مؤكداً أن العطاء الخاص باستيراد دفعة جديدة من أدوية الأورام استكمل إجراءاته وحصل على الموافقات الرقابية، لكنه لا يزال ينتظر الإفراج عن التمويل.
بين التصريحات والواقع

ورغم هذه التوضيحات، لا تزال شكاوى المرضى تتكرر في مختلف المدن الليبية.
فالهيئة أعلنت في 20 أبريل 2026 وصول أدوية حديثة، من بينها Enhertu وVenclexta، كما أعلنت في يناير من العام نفسه توزيع شحنات إلى مركزي الخمس ومصراتة تضمنت أدوية مثل Nexavar وErleada وTemodal وDarzalex، إلا أن مرضى في عدد من المراكز يؤكدون استمرار نقص بعض الأصناف وتأخر الجرعات.
وفي الجفرة، تشير مصادر طبية إلى أن عدداً كبيراً من المرضى يضطرون إلى السفر أكثر من 400 كيلومتر نحو طرابلس للحصول على العلاج، بسبب عدم اعتماد بعض المراكز المحلية وعدم توفر الأدوية بصورة منتظمة.
أما في هون، فتؤكد مصادر داخل مستشفى العافية أن اعتماد المستشفى للحصول على حصته من أدوية الأورام لا يزال متعثراً بسبب اشتراطات تتعلق بالمنظومة الإلكترونية، ما يحرم المرضى من تلقي العلاج داخل مدينتهم.
وفي المقابل، نفت إدارة مستشفى غات العام صحة الأنباء المتداولة بشأن استلامها أي شحنات من أدوية الأورام، مؤكدة أن لجنة الاستلام لم تتسلم أي شحنة حتى الآن.
ثمن التأخير
انعكست أزمة التوريد مباشرة على المرضى وعائلاتهم. تقول أم لطفل مصاب بسرطان الدم إنها انتظرت ثلاثة أشهر للحصول على جرعة “دارزالكس” في مركز طرابلس، قبل أن تضطر إلى بيع مصاغها واقتراض 14 ألف دينار لشراء العلاج من الخارج.
وفي الجفرة، يروي أحد المواطنين أن والده المصاب بسرطان القولون يقطع ثماني ساعات سفر كل شهر إلى طرابلس، لكنه كثيراً ما يعود دون الحصول على الجرعة، بعدما أُبلغ بأن الصنف متوقف إلى حين وصول الاعتماد المالي، ما اضطر الأسرة إلى شراء العلاج من تونس مقابل نحو تسعة آلاف دينار.
أما في هون، فتقول إحدى المريضات إن عدم اعتماد المستشفى أجبرها على السفر إلى طرابلس، لكنها لم تتمكن من ذلك بسبب ظروفها الصحية، لتبقى شهرين من دون علاج قبل أن تضطر إلى بيع بعض مقتنياتها المنزلية لتوفير ثمن جرعتين.
35 ألف مريض
ويؤكد رئيس الهيئة أن عدد مرضى الأورام في ليبيا يبلغ نحو 35 ألف مريض، وأن علاجهم يتطلب ميزانيات كبيرة وتدفقاً مالياً منتظماً، مشدداً على أن الهيئة لا تستطيع شراء الأدوية من دون توفير الاعتمادات اللازمة. كما يرى أن استقدام أطباء متخصصين إلى ليبيا قد يكون أقل تكلفة من إرسال المرضى للعلاج في الخارج، لكنه يؤكد أن تنفيذ هذه الخطط يبقى مرتبطاً أيضاً بتوفير التمويل.
أسئلة معلقة
ورغم توضيحات الهيئة، لا تزال عدة أسئلة مطروحة: كيف وصلت أدوية منتهية الصلاحية إلى مركز يعالج مرضى الأورام؟ ولماذا تستمر شكاوى نقص العلاج إذا كانت منظومة التوزيع الإلكترونية تعمل بكفاءة؟ وهل تكمن الأزمة في التمويل وحده، أم أن هناك خللاً في سلسلة الإمداد والرقابة؟يبقى ملف أدوية الأورام من أكثر الملفات الصحية حساسية في ليبيا، لأن تأخر جرعة واحدة قد ينعكس مباشرة على حياة المريض. وبين الجدل حول الأدوية غير المطابقة، وتعثر التوريدات، تبقى الحاجة ملحة إلى شفافية أكبر بشأن حجم المخزون، وآليات التوزيع، وضمان وصول العلاج إلى كل مريض في موعده، لأن نجاح أي منظومة دوائية لا يقاس بعدد الشحنات المعلنة، بل بوصول الدواء إلى المريض عندما يحتاج إليه.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية