منصة الصباح
د. علي عاشور

إِيدِيرُوهَا الْكْبَارْ… وَيُوحْلُوا فِيهَا الصِّغَارْ

باختصار

منذ زمن وأنا أقول إننا نحن الليبيون لدينا موهبة وطنية نادرة في الاتفاق على الاختلاف، فالموظفون في الدولة، أياً كان عملهم، لكل واحد منهم رأيه وقناعته وطريقته في النظر إلى القضايا والأمور، وقد يجتمعون طويلاً حول قضية واحدة دون أن يصلوا إلى اتفاق يجمعهم، وقد تختلف وجهات نظرهم حتى في أبسط التفاصيل.

لكن الغريب أن هذا الاختلاف الواسع يمكن أن يتحول في لحظة واحدة، إلى اتفاق شامل ومدهش، عندما يتعلق الأمر بعدم الذهاب إلى العمل أو الاعتصام أو الإضراب… وكأننا لا نجيد الاتفاق على كيفية العمل، لكننا نتقن جيداً الاتفاق على كيفية التوقف عنه.

ولذلك لم يكن غريبا -بالنسبة لي على الأقل- أن نتابع في قطاع التربية والتعليم هذا الإجماع الواسع على الاعتصام أو الإضراب، أو ما أسموه (تعليق الدراسة أسبوعين) قبل أن تبدأ… حتى بدا أن أكثر ما استطاع أن يوحد الصفوف هي (عملية إغلاق أبواب المدارس).

ولهذا لم يكن غريبا أن يبدأ العام الدراسي في جل المدارس الليبية من دون دراسة، فالتلميذ استيقظ مبكرا.. وارتدى ملابسه الجديدة… وحمل حقيبته… وربما خرج من البيت فرحا؛ لأنه سيلتقي بأصدقائه ومعلميه ومقعده الذي اشتاق إليهم طوال العطلة، ثم وصل إلى المدرسة وهو يحمل بعض كرساته التي حرص على تغليفها بألوان زاهية، ومعه أقلامه مختلفة الأشكال والأوان، ويحمل معه أحلامه الصغيرة أيضا، ليجد شيئا واحدا ينتظره: (باب مغلق).

يا لها من بداية تربوية عظيمة، فالدرس الأول في العام الدراسي لم يكن في الرياضيات، ولا اللغة العربية، ولا حتى في العلوم، وإنما كان درسا عمليا في: (كيف تصل إلى المدرسة فتجد المدرسة نفسها لا تريد أن تبدأ معك)

والطفل -بطبيعة الحال- لا يعرف شيئا عن تفاصيل المطالب والمرتبات والقرارات والخلافات والديون والفروقات…. إلخ، ولا يعرف من المخطئ ومن المصيب، ولا يملك أصلا القدرة على الدخول في هذه المعارك، هو يعرف فقط أنه استيقظ مبكرا وارتدى ملابسه وحمل حقيبته التي سيضع فيها كتبه الجديدة، وذهب إلى المكان الذي قيل له إنه المكان الذي سيتعلم فيه قيمة الالتزام والانضباط واحترام الوقت، فإذا به يقف أمام الباب مغلقا، وربما يسأل نفسه سؤالا بسيطا قد يكبر معه: إذا كانت المدرسة تغلق عندما يختلف الكبار، فلماذا يطلب مني أنا أن أتعلم الالتزام؟

لا أحد ينكر حق المعلمين في المطالبة بحقوقهم، ولا حقهم في الاعتراض والاحتجاج بالوسائل التي يكفلها القانون، فالمعلم يحتاج إلى ظروف عمل عادلة وكريمة حتى يؤدي رسالته كما ينبغي، لكن السؤال الذي لا ينبغي أن يضيع وسط هذا العبث: ما ذنب التلميذ؟ فالطالب ليس مسؤولا عن المرتبات، ولا عن القرارات، ولا عن السياسات التعليمية، ولا عن تأخر صرف الفروقات، وهو ليس طرفا في أي خلاف، إنه فقط جاء إلى المدرسة ليتعلم… فلماذا يكون أول من يدفع ثمن الخلاف؟ لماذا يكون هو الضحية الأولى والكبرى.. وربما الوحيدة؟

والأخطر من إغلاق المدرسة أن نغلق في ذهن الطفل فكرة احترام المدرسة والعمل نفسه، فنحن لا نربي أبناءنا بالكلام وحده، وإنما بما يرونه أمامهم، فإذا قلنا له إن الوقت ثمين، ثم أضعنا يومه الدراسي، وقلنا له إن العمل مسؤولية، ثم أوقفناه، وحدثناه عن المعلم بوصفه قدوة، ثم جعلناه يرى التلميذ واقفا أمام باب مغلق، فإننا نقدم له درسا أقوى من كل دروس الكتب.

ربما نختلف على كل شيء في ليبيا، وهذا أمر تعودنا عليه، لكن لعلنا نستطيع -ولو مرة واحدة- أن نتفق على ألا يكون الطالب هو الحلقة الأضعف في كل خلاف، لأن الطفل الذي استيقظ فرحا في أول يوم للدراسة لا يستحق أن يكون أول درس يتلقاه هو درسا لم يكن في المنهج، درسا عنوانه (كيف نعلم أبناءنا قيمة العمل… ونحن نحتفل بعدم العمل؟).

بقلم: د. علي عاشور

شاهد أيضاً

أحلام محمد الكميشي

مجرد تعميم أمني

نشر مجلس الأمن القومي الليبي، مساء الخميس، تعميمًا بشأن منع التحاق أبناء الليبيين بمدارس الجاليات …