زايد…ناقص
ثمة كُتّابٌ قلائلُ أحبُّ أن أعودَ إليهم، كل فترة، لقراءة أعمالهم، من بينهم القاص والروائي المصري الراحل يحيى الطاهر عبد الله، المتوفى عام 1981. وأعترف أنّه أحدُ الكتّابِ الذين تمنيتُ لو أُتيحت لي فرصة لقائهم والحديث معهم.
يُنسب المرحوم يحيى الطاهر عبد الله إلى جيل الستينيات المصري، وقد أشعل توقي لقراءته ما سمعته عنه من حكايات من أصدقاء عرب وليبيين. وبعد رحيلي إلى لندن، وجدت في مكتبة عربية عدة أعمال له، ومنذ ذلك الحين لم تفارق كتبه رفوف مكتبتي. كان يُلقَّب بـ”شاعر القصة القصيرة” لجمال لغته وعذوبتها.
الإنترنت والفيسبوك وغيرهما من إنجازات الثورة الرقمية ذكّرتني به، وجعلتني أتساءل: ماذا كان يمكن أن يفعله كاتب مثله لو عاش في عصرنا هذا، بما تتيحه الإنترنت من سعة انتشار وتواصل؟
فالمرحوم، كما يؤكد د. جابر عصفور في مقدمته للأعمال الكاملة للكاتب (دار العين للنشر – الطبعة الثانية 2022)، لم يكن يكتب قصصه على الورق، بل كان يكتبها في رأسه، يحفظها عن ظهر قلب ويُلقيها على مستمعيه في أماكن وأزمنة متفرقة من دون أن يغيّر فيها حرفاً أو ينساها. ولم يدفعه إلى كتابتها على الورق سوى اشتراط محرري الصفحات الأدبية في الصحف والمجلات الأدبية التي كان ينشر بها.
وحين كان يُسأل عن سرّ إصراره على الحفظ والإلقاء، كان يجيب بأن على الكاتب أن يصل إلى جمهوره الحقيقي، وهم ليسوا المثقفين، بل الناس البسطاء الأمّيون الذين لا يعرفون القراءة ولا الكتابة.
ولعل هذا بالذات ما يجعلني أرجّح أن يحيى الطاهر عبد الله، لو عاصر زماننا، لكان أول من يحمل هاتفه ويُلقي قصصه في فيديو قصير في منصات الإنترنت، فهذه المنصات – رغم كل ما يُقال – قد تكون أقرب إلى روحه من زاوية في صفحة ثقافية في جريدة، لأنها تصل إلى ذلك الجمهور الذي عاش يكتب من أجله. رحمه الله.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية