زايد..ناقص
كل يوم، في غُدوّي ورواحي، في صحوي أو منامي، في لحظات فرحي العابرة القليلة، وفي سلسلة أيام إحباطي الطويلة، في حنايا توقي الذي لا يهدأ للحبّ، أو في مرارة حزني على فقدانه: أمرُّ سيرًا على قدمين هرمتين بنبتة خُزامى، تتموضع في منتصف المسافة تقريبًا بين بيتي في شارع “جرين لين” والشارع الرئيسي في تلك المنطقة من جنوب غرب لندن، المعروفة لدى أهلها باسم “وريستر بارك”.
لنبتة الخُزامى تلك لغةٌ فريدةٌ، بأبجدية خاصة، غير مكتوبة ولا منطوقة؛ لغةٌ برائحة ولون، تتسرب على شكل موجات رادارية إلى قلبي، متجاوزة كل ما قد يعترضها من موانع وعراقيل. أراها من مسافة ليست بعيدة، متألقة ببشاشة، منبثقة بسيقان نحيلة وزرقة أزهار فتيّة، مطلّة من شرفة حوض فخار مستطيل، في واجهة حديقة أمامية لبناية من طابقين، بفناءٍ إسمنتيّ منطفئ لا يتسق وإشعاع دفء أناقتها وبهجة حضورها.
كل صباح، سبعة أيام في الأسبوع، لدى مغادرتي البيت لاقتناء مستلزماتي اليومية وعودتي، أنجذبُ إلى زرقة تلك الأزهار وألقها، وأنصتُ —مثل مريدٍ في حضرة شيخه— إلى تلك اللغة بقلبي، متذكرًا حوارات قديمة مع زرقة بحر في مدينة عتيقة، على ساحل نحيل، كان ذات زمن موطنًا لقراصنة، ثم أصبح في زمن آخر موطنًا لمهربي بشر ونفط.
ذات مرة، وصلتني رسالة نصية من صديق يقول: “أتمنى لك نهارًا هادئًا بجمال وهدوء الخُزامى”. غاب ذلك الصديق وراء حدود الزمان والمكان، وأصبحتُ أنا جاراً للخزامى، لكن قلبي – لسبب لا أدركه – لم يعرف هدوءاً كهدوئها.. لماذا؟
أحيانًا، لدى عودتي ليلاً، أمرُّ بنبتة الخزامى في حوضها الفخاري، فتحجب عني الظلمة بهجة ضحكتها. لكني لا أشعر بإحباط، بل أبتسمُ؛ لأن إحساسًا داخليًا يستيقظ فجأة فيَّ، ويطيّب خاطري مذكرًا وقائلاً: “ستراها صباحًا”. فأتمنى لها أحلامًا سعيدة، وأواصل سيري على قدمين ثملتين، متذكرًا ما تمنّاه لي يوماً ما صديقٌ، خطفه فجأة الموتُ منّي.
جمعة بوكليب
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية