منصة الصباح
علي فهمي خشيم.. في ذكرى رحيل سادن  القرطاس والقلم   

علي فهمي خشيم.. في ذكرى رحيل سادن  القرطاس والقلم   

تظل قامات الفكر الكبرى عصية على الغياب، ممتدة الأثر عبر ما تركت من مداد وقرطاس يحفظ للهوية لسانها وتاريخها، ومن بين تلك القامات التي تركت بصمة لا تمحى في الوجدان الثقافي العربي عامة والليبي خاصة ، يبرز اسم المفكر والباحث اللغوي والمؤرخ الليبي الكبير  الدكتور علي فهمي خشيم  1936 ــ 2011  ، الذي رحل في العاصمة الألمانية هامبورغ بعد مسيرة حافلة امتدت لأكثر من نصف قرن، كان فيها ملء السمع والبصر في المجامع اللغوية والمحافل الفكرية الدولية.

وعلى الرغم من مرور السنوات، يبقى حضور الراحل حيا في منجزه المعرفي، وفي مسقط رأسه بمدينة مصراتة، حيث غيب جسداً ووسد ثراه في مقبرة  الشيخ أحمد زروق  بناء على وصيته، المفارقة الأدبية هنا تكمن في أن خشيم أمضى سنوات طويلة باحثاً ومحققاً في غمار السيرة “الزروقية”، ونال عنها درجة الماجستير  ليعود في مرقده الأخير مجاوراً للتاريخ الذي خطّه بيمينه.

من كتاتيب مصراتة إلى جامعات لندن

بدأت الرحلة الفكرية لهذا العالم الموسوعي من كتاتيب مصراتة؛ ففي زاويتها الشهيرة  زاوية البي  حفظ القرآن الكريم، قبل أن يتلقى تعليمه النظامي وينطلق بآفاقه نحو رحاب الفلسفة في الجامعة الليبية ببنغازي، التي تخرج فيها حاملاً درجة الليسانس عام 1962م. ولم يقف طموحه المعرفي عند هذا الحد، بل حزم حقائبه صوب القاهرة لينال درجة الماجستير من جامعة عين شمس عام 1966م عن رسالته حول (الجبائيان أبو علي وأبو هاشم)، ثم أوفد إلى بريطانيا ليحصل على الدكتوراه من جامعة “درم” عام 1971م

غزارة الإنتاج وتعددية الإبداع

يعد الدكتور خشيم واحداً من أغزر المفكرين العرب إنتاجاً في العصر الحديث؛ إذ رفد المكتبة العربية بنحو 40 مؤلفاً ومترجماً ومحققاً، توزعت بين أروقة الفلسفة، اللسانيات، النقد، والتاريخ، ولم تكن ذائقته أسيرة القوالب الأكاديمية الجافة؛ فقد ظهر شغفه بالتمثيل والمسرح منذ طفولته، وكتب للخشبة وأسس فرقاً مسرحية، فضلاً عن ولعه بالرسم والتصوير الساخر (الكاريكاتير) في مجلات الستينيات.

وقد أثارت أطروحاته اللغوية الحفرية، ولا سيما محاولاته الجريئة لربط اللغات القديمة (كالأكدية، والقبطية، واللاتينية، والأمازيغية) بالجذور العربية، نقاشات وسجالات أكاديمية حامية وأبعاداً جدلية واسعة في الأوساط العلمية. ومن أبرز مؤلفاته التي تركت بصمة واضحة في هذا الصدد: (النزعة العقلية في تفكير المعتزلة)، (رحلة الكلمات)، (آلهة مصر العربية)، وترجمته الشهيرة لرواية أبوليوس المداوري (تحولات الجحش الذهبي).

سادن المنابر ومؤسس الصحافة الثقافية

لم يكن الراحل مجرد باحث ينكفئ على مخطوطاته، بل كان صانعاً حقيقياً للمنابر الثقافية ومؤسساً لها؛ حيث أسس ورأس تحرير كبريات المجلات والصحف التي شكلت وعي أجيال، ومنها: مجلة (قورينا) في بنغازي، وصحيفة (الأسبوع الثقافي)، ومجلات (الفصول الأربعة)، (الحكمة)، و (أفكار) . هذا الحضور الديناميكي أهله لتبوؤ رئاسة رابطة الأدباء والكتاب، وقيادة مجمع اللغة العربية الليبي لسنوات طويلة (1994-2011م)، فضلاً عن انتخابه عضواً بمجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 2003م.

دبلوماسية الثقافة والفكر

شغل الدكتور علي فهمي خشيم العديد من المناصب السيادية والجامعية الرفيعة؛ فعمل وكيلاً لوزارة الإعلام والثقافة ، ووزيراً للدولة ورئيساً لمجلس شؤون الثقافة والتعليم في اتحاد الجمهوريات العربية بالقاهرة في السبعينيات، كما نقل الصوت الثقافي العربي إلى أروقة المحافل الدولية خلال فترة عمله عضواً ثم نائباً لرئيس المجلس التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة  اليونسكو  في باريس.

إن استعادة إرث علي فهمي خشيم ليست مجرد تقليب في صفحات الماضي، بل هي تحية لواقر العطاء من فارس شجاع أفنى عمره يبحث في أسرار الهوية واللسان والقرطاس، ليظل اسمه منقوشاً بمداد من نور في ذاكرة وضمير الثقافة العربية.

شاهد أيضاً

"الزغيبي" يناقش إشكالية المنهج في القراءات التراثية المعاصرة

“الزغيبي” يناقش إشكالية المنهج في القراءات التراثية المعاصرة

استضافت دار “الجابر” بمدينة بنغازي محاضرة علمية للباحث والأكاديمي “خالد الزغيبي”، بعنوان «القراءات التراثية المعاصرة …