منصة الصباح
عبد الله هدية: بين المانغا وإجدابيا، تتشكل عوالم بصرية أخرى
عبد الله هدية: بين المانغا وإجدابيا، تتشكل عوالم بصرية أخرى

عبد الله هدية: بين المانغا وإجدابيا، تتشكل عوالم بصرية أخرى

خلود الفلاح

عبد الله هدية فنان كوميكس ليبي، يُعد أحد مؤسسي مجلة “حبكة”، وهي تجربة شبابية ليبية متخصصة في قصص المانغا والكوميكس، سعت إلى تقديم هذا الفن بأيدٍ ليبية وهوية محلية، قبل أن تتوقف عن الصدور لاحقاً.

كما عمل كـمخرج رسوم متحركة مع BBC Media Action خلال الفترة 2017–2018.
بين خطوط المانغا والكوميكس، يحاول هدية أن يصنع لغته البصرية الخاصة. يؤمن أن الهوية الفنية لا تولد بقرار مسبق، بل تتشكل عبر التجريب والتأثر والانفتاح على تجارب الآخرين. لذلك تبدو أعماله مساحة يعبر خلالها عن قضاياه المحلية بروح الكوميكس المعاصر.

في هذا الحوار، يتحدث هدية عن مسقط رأسه مدينة إجدابيا كما يتخيلها داخل قصة مصورة، وعن موقفه من الذكاء الاصطناعي ومستقبل الفن، إضافة إلى التجارب الفنية التي ساهمت في تشكيل مساره الفني، وكيف يعمل على تحويل التأثر بالمدارس العالمية إلى رؤية محلية تحمل بصمته الشخصية.

بين المانغا والهوية المحلية

يرى فنان الكوميكس عبد الله هدية أن مسألة ابتكار “شكل فني محلي” ليست خطوة أولى في مسيرة الرسام، بل نتيجة تنضج تدريجياً بعد سنوات من التجريب والممارسة. لذلك لا يرى ضرورة لأن يتجنب الرسام في بداياته محاكاة الأساليب العالمية، سواء كانت “المانغا” اليابانية أو “الكوميكس” الأمريكي أو حتى المدارس الأوروبية المتنوعة في القصص المصورة.

ويستطرد: أنا لا أحبذ لغة الإملاءات أو توجيه الفنانين عبر عبارات مثل: افعل ولا تفعل. الأفضل أن تُترك الحرية كاملة للمبدعين الشباب ليتبعوا شغفهم، ويمارسوا الأسلوب الذي يميلون إليه. ومع الوقت والممارسة المستمرة، سيعثر كل فنان، بلا شك، على هويته البصرية الخاصة وبصمته الأصيلة. إن الاهتمام بالهوية المحلية يختلف من فنان إلى آخر، معتبرا أن هذا التنوع ظاهرة صحية موجودة عالمياً. ويستشهد بتجربة Studio Ghibli الياباني، حيث انفتح رساموه على الفن الأوروبي وأعادوا تقديمه برؤيتهم الخاصة.

ويرى هدية أن “إجبار الفنان على إبراز هويته الثقافية قسراً يحول الفن إلى سجن. الإبداع يحتاج إلى حرية الاقتباس من مختلف ثقافات العالم للوصول إلى بصمة أصيلة وخاصة. ليس مطلوباً من الرسام أن يحمل عبء تمثيل مجتمعه بشكل متعمد؛ لأنه، ببساطة، يعيش داخل هذا المحيط، وبالتالي ستظهر بيئته وشخصيته في أعماله بشكل طبيعي، حتى لو مر بمراحل تأثر فيها بالمانغا اليابانية أو الكوميكس الأمريكي”.

ونسأله لو قدر له أن يعيد رسم مدينته إجدابيا في قصة مصورة خيالية، كيف ستقدمها؟ يقول: على الرغم من أنني قضيت معظم سنوات حياتي في مدينة البريقة، فإن زياراتي الموسمية إلى إجدابيا خلال الأعياد والعطلات لزيارة بيت الجد تركت داخلي رابطاً وجدانياً خاصاً وصورة مختلفة عن المدينة.
ويتابع: أن المعالم التاريخية الكبرى ستظهر كأبطال صامتين داخل العمل، مثل القصر الفاطمي بأسراره، وشبح المسجد العتيق الذي دمر ولم يعد قائماً إلا في الذاكرة، وصولاً إلى صخب الحاضر.

لكن، بحسب هدية، فإن الأبطال الحقيقيين للقصة سيكونون تلك التفاصيل الصغيرة التي قد لا يلتفت إليها العابرون، مثل الطرقات غير المعبدة التي تختزل زمناً قاسياً، والمطبات المنتشرة التي تمنح السرد طابعاً ساخراً، وحتى علبة بيبسي مغبرة وملقاة على حافة الطريق، أو الأشجار القديمة التي ظلت شاهدة على حكايات المارة.

الفن والذكاء الاصطناعي

لا يرى عبد الله هدية في أدوات الذكاء الاصطناعي تهديداً حقيقياً للفنان، لكن الإشكالية الحقيقية في تراجع الذوق العام على منصات التواصل الاجتماعي، وانتشار السطحية والتدني الفكري بشكل كبير.
ويضيف: “أن الفن الإنساني الحقيقي، الذي يحمل فكرة عميقة وبصمة فريدة وهوية خاصة، أصبح اليوم أكثر ندرة، وهو ما يمنحه قيمة أكبر. ورغم غزارة الرسومات المنتجة بالذكاء الاصطناعي على السوشيال ميديا، إلا أن أثرها الحقيقي وتفاعل الجمهور معها يظل باهتاً مقارنة باللوحة التي ينجزها الإنسان بيده”.
ويؤمن أن هذا التحول جعل الفن البشري أكثر قيمة، ليس مادياً فقط، بل روحياً ومعنوياً أيضاً، لتصبح للعمل الإنساني مكانة أعمق في عصر الذكاء الاصطناعي.

في أعمالك تأثراً واضحاً بـ”المانغا”، كيف استطعت تطويع هذا الأسلوب العالمي للتعبير عن قضايا محلية؟ وهنا يرد: حاولت تطويع هذا الأسلوب ليعبر عن قضايانا المحلية والإقليمية، بدءاً من القضية الفلسطينية، مروراً بالأزمات داخل ليبيا، وصولاً إلى القضايا الإقليمية المحيطة بنا.
ويشير إلى أن هذا التطور جاء عبر الممارسة المستمرة، فمن خلال التجربة تعلم قواعد الرسم، وفهم كيفية تحريك الأجساد والتعامل مع تفاصيلها، ثم بدأ ينتقي ما يناسب مزاجه الفني الخاص ويستطرد: أن المانغا ليست قالباً واحداً جامداً، بل فن متطور ومتعدد الأساليب، حتى داخل اليابان نفسها. هناك من يقدم رسومات تجارية عامة تفتقر إلى الهوية الفنية الخاصة بهدف مواكبة السوق، وفي المقابل هناك فنانون يمتلكون خطوطاً بصرية فريدة.

التخصيص البصري

ويميل هدية، إلى المدارس الفنية التي تبتعد عن الواقعية المفرطة وتتجه نحو الأسلوب الكرتوني والانسيابي، لأنه يجد في هذه المساحة شغفه الحقيقي. كما يرى أن الجمع بين الأسلوب الكرتوني والقضايا الثقيلة، مثل الحرب أو الأزمات المحلية، يخلق تناقضاً بصرياً مؤثراً، يسمح بتقديم القضايا المحلية بلغة عالمية تمس القارئ إنسانياً.
ولعل هذا الميل إلى الانسيابية في الرسم يقود إلى الحديث عن أبرز المؤثرات التي شكلت هويته الفنية. إذ يستعيد هدية بداياته الأولى مع الرسم بوصفها تجربة “غريبة ومضحكة” نوعاً ما، فقد بدأ برسم مصارعي المصارعة الحرة بعد أن جذبته حركتهم وهيئاتهم وملابسهم، رغم أنه لم يكن يملك آنذاك أي معرفة بقواعد التشريح أو رسم الأجساد.
لاحقاً، فتحت مكتبة والده أمامه أبواباً جديدة، حيث اطلع على كتب تضم أعمال عصر النهضة والرسومات التاريخية الموجودة في الكنائس والجدران، فبدأ يقلد تلك الأشكال الدراماتيكية.
ويعترف بتأثره الكبير بأعمال ليوناردو دافينشي ومايكل أنجلو، خاصة في ما يتعلق بالحركية البصرية وتشريح الجسد.
بعد ذلك انتقل إلى مرحلة “الستايلز” أو التخصيص البصري، متأثراً بالهوية البصرية لفرقة Gorillaz الشهيرة.
ويضيف: “أبهرني أسلوب الرسم الخاص بفرقة Gorillaz ، وبدأت أحاكيه بدقة، خصوصاً في التحبير وحركة الأجساد والأيدي. وحتى اليوم، حين يخبرني بعض المتابعين أن أسلوبي يشبه غوريلاز، أدرك مدى تأثير هذا الفن في هويتي الفنية.

وختاما، يشير هدية إلى تأثره بعدد من الفنانين الشباب العرب الذين تعرف عليهم عبر الإنترنت، خصوصاً من مصر، ومن بينهم حاتم فتحي وإسلام أبو شادي، اللذان يصف أسلوبهما بأنه متميز خاصة في تقنيات التلوين والتحبير وإدارة العمل البصري.
وبين تأثيرات عصر النهضة الأوروبية، والمانغا اليابانية، والكوميكس المعاصر، تتشكل تجربة الفنان عبد الله هدية بوصفها رحلة بحث مستمرة عن لغة بصرية خاصة، تظل منفتحة على العالم، من دون أن تفقد صلتها بالمكان والذاكرة والأسئلة المحلية.

شاهد أيضاً

من وجع الحكاية إلى دفء الذكرى.. «عندي قلب» تجمع العالم و الأعتر بروح العلواني.

من وجع الحكاية إلى دفء الذكرى.. «عندي قلب» تجمع العالم و الأعتر بروح العلواني

أُطلق مؤخرًا العمل الغنائي الجديد «عندي قلب» بصوت الفنان الليبي “أيمن الأعتر“، في تعاون فني …