تستعيد ذاكرة المكان رائحةً لا تُرى، لكنها لا تغادر الوجدان؛ بخورًا يتصاعد من حلقات الذكر، وأصواتًا تتردد في فضاء المدينة، ومدائح نبوية كانت تمنح ليالي المولد النبوي الشريف طقسها الخاص. .
ومن بين تفاصيل هذه الذاكرة، يستحضر الكاتب والباحث والقاص “محمد العنيزي” صورة «الزاوية العيساوية البحرية»، المكان الذي ظل حاضرًا في مخيلته رغم اندثار مبناه منذ أكثر من نصف قرن..
الزاوية التي لم يهدمها الغياب
يكتب “العنيزي” عن شارع البحر بوصفه مساحةً لا تنقطع صلته بها، متوقفًا عند موقع الزاوية العيساوية البحرية، التي كانت تطل على الشاطئ، وتتوسط فضاءً تتجاور فيه «قهوة البحر» من جهة، والميناء البحري من الجهة الأخرى؛ حيث القوارب والصيادون والمراكب القادمة من الساحل الآخر..
ورغم أن البناء لم يعد قائمًا، بقيت صورته في الذاكرة، لا بوصفه أثرًا معماريًا فحسب، وإنما باعتباره مكانًا تشكلت داخله طبقات من الذاكرة الروحية والاجتماعية للمدينة..
رائحة البخور.. حين يصبح المكان ذاكرة
لا يستعيد “العنيزي” الزاوية من خلال شكلها فقط، بل من خلال ما تركته في الحواس؛ عطر حلقات الذكر، وروائح البخور، وأصوات المنشدين التي كانت تصدح في ليالي المولد النبوي الشريف..
هناك، تتقاطع الذاكرة الدينية مع الذاكرة الشعبية، وتتحول الزاوية إلى فضاء يجتمع فيه عشاق القصائد النبوية، والمريدون، والمجاذيب، ودراويش المدينة، في حلقات ذكر تستعيد فيها الجماعة طقوسها وإيقاعها الروحي..
ويصف “العنيزي” تلك اللحظات بوصفها حالة تتجاوز حدود المكان المادي؛ فأرواح الذاكرين «تهيم» وتسمو، ويجلجل صوت الجماعة حتى يبدو المبنى وكأنه يهتز مع الذكر، في مشهد يجمع الهيبة والنورانية والطمأنينة وصفاء النفس..
المولد.. ذاكرة مدينة
تأتي شهادة “العنيزي” بمناسبة المولد النبوي الشريف لتفتح نافذة على جانب من الذاكرة الثقافية للمدينة؛ ذاكرة لم تكن المناسبات الدينية فيها منفصلة عن الحياة اليومية، بل كانت جزءًا من نسيجها الاجتماعي، تتجاور فيها الزوايا مع المقاهي والموانئ والشوارع، ويتداخل فيها صوت البحر مع صوت المنشدين ورائحة البخور..
ومن هنا، لا يبدو الحديث عن الزاوية العيساوية البحرية مجرد استعادة لمبنى اندثر، بل محاولة لاستحضار روح المكان وما اختزنته جدرانه من أصوات وطقوس ووجوه وحكايات..
ما يبقى بعد الرحيل
بعد أكثر من خمسين عامًا على هدم الزاوية، لا يزال المكان قادرًا على الحضور؛ ليس في الحجر، وإنما في الذاكرة.
ولعل أكثر ما يختصر هذه العلاقة ما يقوله “العنيزي” في خاتمة استعادته: «وكأنني أشم الآن رائحة البخور عالقة في ثيابي»..
رائحة لا تنتمي إلى الماضي وحده، بل تعيد الماضي إلى الحاضر، وتمنح المولد النبوي الشريف مناسبة لاستعادة ذاكرة مدينة، وطقسًا روحيًا، ومكانًا غاب عن العين، لكنه ظل مفتوحًا في الذاكرة..
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية