جمعة بوكليب
زايد…ناقص
ذات صباح، أفاق سكان مدينة أثينا اليونانية من نومهم كعادتهم، وكان الطقس صحوًا دافئاً. غادروا بيوتهم لممارسة حيواتهم الرتيبة: التاجر إلى متجره، والمزارع إلى حقله، والموظف إلى مكتبه. أما الفيلسوف “ديوجين”، فقد غادر برميله الشهير حيث يقيم، وأشعل مصباحه، وبدأ جولته الاعتيادية اليومية بحثاً عن “الحقيقة”. كان يوماً عادياً لا يختلف عما سبقه في شيء، حين انقلب الحال فجأة رأساً على عقب.
مثل شرارة، انتشر بين السكان خبرٌ عن رجل غريب، شوهد يحمل مصباحاً في النهار تماماً كما يفعل ديوجين، ويدور في الأنحاء بملامح جادّة، لكنه لا يبحث عن حقيقة غائبة، بل قال حين سُئل إنه يبحث عن… “سطل”!
تحولت دهشة الوجوه إلى موجة عارمة من الضحك الهستيري. لقد اعتاد أهل أثينا على “شطحات” فيلسوفهم ديوجين، الذي كان يعيش عيشة الكلاب السائبة، يبول ويتغوط في الشوارع بلا خجل. لكن الرجل الغريب كان مختلفاً؛ إذ لم تظهر عليه علامات الجنون، وهو نظيف الملبس، رزينٌ في مشيته، إلا أن غرابة مطلبه جعلت سكان المدينة يشككون في قواه العقلية.
أمام هذا المشهد السريالي، اجتمع كبار القوم في المدينة وقرروا استدعاء الرجل الغريب لاستجوابه. مَثَلَ الرجلُ أمامهم حاملاً مصباحه ومحافظاً على وقاره، فسألوه أولاً عن موطنه، فأجاب بهدوء: “لقد جئت مبحراً من ليبيا، ووصلت إلى شواطئكم ليلاً على ظهر مركب لمهربي بشر، ودفعتُ أجراً يفوق الخيال”.
ساد الصمت القاعة. فبادر أحدهم بسؤاله عن سر “السطل”، فأجاب بمرارة: “لقد سمعت من جيراني في ليبيا أن السطول تتوفر بكثرة في أثينا. أنا في حاجة ماسّة لسطل واحد فقط؛ ففي بلادي، تناهب الناس السطول حتى لم يتركوا لي واحداً أشتريه لأحصل به على حصّتي من الثروة. لقد غامرت بحياتي خلف البحار لأشتري سطلاً وأعود به؛ لأن حكومتنا الموقرة قررت ألا تمنح مواطنيها الأحياء حصتهم من الثروة إلا في سُطول!”
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية