تقرير : سعاد الفرجاني
تكشف نتائج التحقيقات الرقابية في ملف المبيدات المحظورة عن أزمة تتجاوز وجود مواد مخالفة في الأسواق، لتلامس منظومة كاملة تبدأ من الاستيراد والعبور عبر المنافذ، مرورًا بالتداول والتخزين، وصولًا إلى استخدامها داخل القطاع الزراعي. وبينما أظهرت الفحوصات وجود متبقيات مبيدات محظورة في نسبة كبيرة من عينات المحاصيل المعروضة للمستهلك، تتجه التحقيقات إلى كشف المسؤوليات ومسارات دخول هذه المواد، في وقت تتصاعد فيه الدعوات لإعادة تنظيم سوق المبيدات وتعزيز الرقابة لحماية الأمن الغذائي.
نتائج مخبرية
أظهرت التحقيقات الفنية التي أعلن عنها مكتب النائب العام أن 65% من عينات المحاصيل الزراعية المعروضة للبيع المباشر في أسواق طرابلس وبنغازي ومصراتة احتوت على متبقيات مبيدات محظورة، بعضها مصنف دوليًا ضمن المواد المسرطنة أو المطفرة، أو تجاوز الحدود القصوى المسموح بها للمتبقيات وفق المعايير المعتمدة.
وجاءت هذه النتائج بعد جمع فرق الخبرة الفنية نحو 765 عينة من الخضروات والفواكه خلال شهر فبراير 2026، من بينها 350 عينة من سوق جنزور في طرابلس، حيث كشفت التحاليل المخبرية وجود سبعة مبيدات محظورة بموجب التشريعات الوطنية، إضافة إلى مواد مصنفة ضمن المركبات ذات الخطورة الصحية وفق الاتفاقيات الدولية وتوصيات منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية.

ولا تعكس هذه النتائج مجرد مخالفة تتعلق بتداول مواد محظورة، بل تكشف عن مسار أكثر تعقيدًا يتعلق بوصول آثار هذه المواد إلى المنتجات الزراعية المتداولة، ما يضع ملف سلامة الغذاء أمام تحديات تتجاوز الرقابة التقليدية على أماكن البيع والتخزين.
ضبطيات وتحقيقات
لم تتوقف الإجراءات عند حدود التحاليل المخبرية، إذ ترافقت النتائج مع حملات تفتيش وضبط استهدفت مواقع بيع وتخزين المبيدات، وأسفرت عن إغلاق 60 محلًا لبيع المبيدات الزراعية، وضبط نحو 300 صندوق يحتوي على مبيدات محظورة، إضافة إلى 400 صندوق أخرى تضم مبيدات منتهية الصلاحية.
كما كشفت الإجراءات القضائية عن توقيف 15 متهمًا احتياطيًا في واقعة مرتبطة بالاتجار في مبيدات محظورة جنوب طرابلس، إلى جانب حبس ثلاثة موظفين في قضية منفصلة تتعلق بتوزيع مبيدات حشرية منتهية الصلاحية.
وفي إطار تتبع مصادر هذه المواد، سبق لمكتب النائب العام الإعلان عن ضبط نحو 19 ألف كيلوغرام من غاز بروميد الميثيل، و6 آلاف مستوعب من المبيدات الزراعية المحظورة داخل مخازن تابعة لأربع شركات، مع التحفظ على المضبوطات وإغلاق مواقع التخزين.
تشديد حكومي
وفي مواجهة اتساع تداعيات الملف، بدأت الجهات الحكومية في وضع إجراءات تستهدف إعادة تنظيم منظومة تداول المبيدات، من خلال إعداد قوائم وطنية موحدة تحدد المبيدات المسموح باستخدامها وتلك المحظورة، بما يوفر مرجعية واحدة للجهات الرقابية والفنية

وتشمل الإجراءات تعزيز الرقابة على الاستيراد والتخزين والتوزيع، ورفع كفاءة المختبرات الفنية، إلى جانب تفعيل دور الإرشاد الزراعي لتوعية المزارعين بطرق الاستخدام الآمن للمبيدات والالتزام بالاشتراطات الفنية.
وتأتي هذه الخطوات في محاولة لمعالجة حالة التداخل بين الجهات المسؤولة عن الملف، ووضع ضوابط أكثر وضوحًا لسلسلة تداول المبيدات، من لحظة دخولها إلى البلاد وحتى وصولها إلى المزارع والأسواق.
سوق بلا تنظيم
ورغم الإجراءات الحالية، تشير المعطيات الفنية إلى أن أزمة المبيدات لم تبدأ مع عمليات الضبط الأخيرة، بل ترتبط بتراكمات امتدت لسنوات نتيجة ضعف الرقابة وغياب التنظيم الفني للسوق.
وترى الاستشارية في سلامة وجودة الأغذية والأمن الغذائي، سماح المجراب، في تصريح خاص لمنصة الصباح، أن جذور الأزمة تعود إلى الفترة بين عامي 2018 و2020، حيث أدى ضعف الرقابة وغياب التنظيم إلى اتساع تداول مبيدات خارج الأطر الرسمية.
وتوضح المجراب أن السوق الليبية شهد تداول أصناف من المبيدات دون تسجيل رسمي أو بيانات واضحة عن مصادرها ومكوناتها، مشيرة إلى وجود نحو 596 نوعًا من المبيدات غير المسجلة رسميًا، وما يقارب 150 نوعًا مجهول الهوية والمصدر.
كما تكشف عن تداول 65 نوعًا من مبيدات الأعشاب و213 نوعًا من المبيدات الحشرية ضمن منتجات تفتقر إلى معلومات واضحة حول المواد الفعالة الداخلة في تركيبها، الأمر الذي يزيد من صعوبة تقييم مخاطرها أو تتبع آثارها بعد الاستخدام.
ولا تقتصر الإشكالية، بحسب المجراب، على دخول مواد غير منظمة إلى السوق، بل تمتد إلى طريقة التعامل معها داخل القطاع الزراعي، إذ يعتمد جزء من المزارعين على خبرات فردية في اختيار المبيد وتحديد الجرعات ومواعيد الرش، بعيدًا عن التوجيهات الفنية المتخصصة، ما يرفع احتمالات الاستخدام الخاطئ وتراكم المتبقيات على المحاصيل.
مسارات التهريب
وفي الجانب الرقابي، تكشف التحقيقات أن الوصول إلى المبيدات المحظورة لم يكن مرتبطًا فقط بوجودها داخل الأسواق، بل بآليات دخولها وتداولها عبر سلسلة تبدأ من الموردين وتمتد إلى نقاط البيع والاستخدام.
ويوضح المتحدث باسم جهاز الحرس البلدي، امحمد الناعم، في تصريح خاص لمنصة الصباح، أن ملف المبيدات المحظورة يجري العمل عليه بالتنسيق مع مكتب النائب العام منذ نحو ستة أشهر، بدءًا من سحب العينات وإجراء التحاليل اللازمة والتأكد من نتائجها، وصولًا إلى التحرك نحو المحلات والشركات المتورطة في توريد هذه المواد.
ويشير الناعم إلى أن الدوريات تمكنت خلال يوم واحد من ضبط كميات كبيرة من مواد محظورة، شملت مبيدات منتهية الصلاحية وأخرى ممنوعة من الدخول إلى البلاد بشكل قاطع، حيث جرى حصرها وتحريزها وإحالتها إلى النيابة العامة لاستكمال التحقيقات.
وتتجه التحقيقات إلى كشف آلية إدخال هذه المواد إلى السوق المحلي، خصوصًا مع وجود مؤشرات على تمرير بعض السلع تحت مسميات مستعارة، إذ دخلت مواد محظورة أو موجهة لاستخدامات غير مشروعة على أنها منتجات أخرى مختلفة.
كما أن ظهور نتائج عينات متبقيات المبيدات التي سُحبت منذ فبراير الماضي بشكل تدريجي يعكس استمرار المسار الفني للتحقق من حجم المشكلة، في وقت يؤكد فيه الحرس البلدي أن سحب المنتجات الزراعية من الأسواق لا يتم إلا بناءً على أوامر مباشرة وصريحة ووفق إجراءات قانونية محددة.
وفي ما يتعلق بقائمة المبيدات المحظورة، يوضح الناعم أن ما يعرف بقائمة الـ77 صنفًا محظورًا ليس تصنيفًا جديدًا، بل قائمة معتمدة منذ عام 2010 ويُستند إليها في عمليات الرقابة والتتبع.
ثغرات الرقابة
لا ترتبط أزمة المبيدات المحظورة فقط بعمليات الضبط داخل الأسواق، بل تكشف عن تحديات أوسع تتعلق بقدرة منظومة الرقابة على متابعة هذه المواد منذ لحظة دخولها إلى البلاد وحتى استخدامها داخل المزارع.
ويرى الخبير الزراعي عثمان حبيل، في تصريح خاص لمنصة الصباح، أن استفحال ملف المبيدات منتهية الصلاحية يرتبط بحالة الضعف التي تعتري الرقابة على المنافذ البرية والبحرية والجوية، باعتبارها البوابة الأولى لدخول هذه المواد، ما يستدعي تشديد الإجراءات الجمركية والرقابية لمنع وصول المنتجات غير المطابقة إلى السوق.
ويؤكد حبيل أن معالجة الأزمة لا تتوقف عند ضبط الشحنات المخالفة، بل تحتاج إلى تفعيل وتحديث القوانين والتشريعات المنظمة لاستخدام وتداول المبيدات، خاصة مع دخول بعض غير المختصين إلى هذا المجال، وعدم امتلاكهم المعرفة الكافية بطبيعة المواد الفعالة أو طرق استخدامها أو تواريخ صلاحيتها.
.ويرى أن تنظيم قطاع المبيدات يجب أن يبدأ من ضبط عملية الاستيراد والتسجيل، مرورًا بالتوزيع والتخزين، وصولًا إلى توعية المستخدم النهائي، بما يضمن أن تكون كل مرحلة خاضعة لمعايير فنية واضحة.
خطر صحي
وتتجاوز تداعيات المبيدات المحظورة ومنتهية الصلاحية الجانب التنظيمي لتصل إلى آثار مباشرة على صحة الإنسان وجودة الغذاء، إذ يحذر حبيل من أن هذه المواد قد تتحلل بعد انتهاء صلاحيتها إلى مركبات كيميائية أكثر خطورة من المادة الأصلية.
ويشير إلى أن التعامل غير الآمن مع هذه المبيدات قد يؤدي إلى حالات تسمم بين العاملين أثناء عمليات الرش، تشمل تأثيرات على العينين والجهاز التنفسي والجهاز الهضمي، في حين تمثل بقاياها على المحاصيل خطرًا محتملًا على المستهلكين، خاصة مع التعرض المتكرر لها وتأثيرها على وظائف حيوية مثل الكبد والكلى والجهاز العصبي.
وتأتي هذه المخاوف في ظل تحذيرات متعلقة بسلامة الغذاء، بعد أن كشفت الفحوصات عن وجود متبقيات مبيدات محظورة في عينات من المحاصيل المتداولة، ما يعزز الحاجة إلى استمرار الرقابة المخبرية وتتبع مصادر التلوث.
بيئة مهددة
ولا تتوقف آثار هذه المواد عند الإنسان، إذ يلفت حبيل إلى أن الاستخدام غير الآمن للمبيدات يترك تأثيرات واسعة على البيئة، من خلال تلويث التربة والمياه، والتأثير في الكائنات الحية التي تشكل جزءًا من التوازن الطبيعي.
ويشير إلى أن هذه المواد قد تؤدي إلى القضاء على الكائنات النافعة مثل ديدان الأرض والحشرات المفيدة، ومنها الدعسوقة التي تؤدي دورًا طبيعيًا في مكافحة بعض الآفات الزراعية، ما يخل بالتوازن البيئي ويزيد الحاجة إلى استخدام مزيد من المبيدات مستقبلًا.

كما يحذر من مخاطر تسرب بقايا المبيدات إلى المياه السطحية والجوفية، إضافة إلى خطورة التخلص غير الآمن من العبوات الفارغة التي قد يعاد استخدامها أو تتحول إلى مصدر تلوث بيئي.
كلفة زراعية
ويمتد أثر الأزمة إلى الجانب الاقتصادي، إذ يلفت حبيل إلى أن الاستخدام غير السليم للمبيدات المنتهية الصلاحية يؤدي إلى خسائر للمزارعين والدولة نتيجة تراجع الإنتاج وتلف المحاصيل.
ويدعو إلى رفع وعي المزارعين بضرورة التأكد من صلاحية المنتجات الزراعية قبل استخدامها، وفحص المبيدات عند الشراء من خلال ملاحظة اللون والرائحة والترسبات وعدم تجانس المحتوى، إلى جانب الالتزام بما وصفه بـ”القاعدة الذهبية” في الاستخدام الزراعي، والمتمثلة في التشخيص الصحيح للآفة، واختيار المبيد المناسب، وتحديد الجرعة الدقيقة، وتوقيت الرش الملائم.
اختبار الرقابة
تكشف قضية المبيدات المحظورة في ليبيا عن ملف يتجاوز ضبط كميات مخالفة أو إغلاق محال تجارية، ليصل إلى اختبار حقيقي لقدرة منظومة الرقابة على حماية الغذاء وتنظيم قطاع زراعي يعتمد بشكل كبير على الاستخدام الكيميائي.

منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية


