منصة الصباح
عامل زراعي يجمع محصول الجزر الطازج في أحد الحقول الزراعية، حاملاً حزمة كبيرة من الجزر بعد حصادها.
الزراعة، عامل زراعي، حصاد الجزر، محصول الجزر، إنتاج زراعي، مزارع، حقول زراعية، الأمن الغذائي، محاصيل خضر، عمل ميداني، تنمية زراعية، زراعة الخضروات، جزر طازج، موسم الحصاد، القطاع الزراعي. (المصور: حسن المجدوب/صورة أرشيفية)

هل ثمة أثار إيجابية للعمالة الأجنبية على الاقتصاد الليبي؟

تقرير: مهند أحميدة

في أحد الأسواق التجارية بطرابلس، ينشغل عشرات العمال في ترتيب البضائع وتحميلها وتنظيف المرافق وصيانة المعدات. وبينما يواصل المتسوقون يومهم بشكل اعتيادي، تبدو العمالة الأجنبية جزءاً أساسياً من دورة العمل اليومية في السوق، كما هو الحال في العديد من القطاعات الاقتصادية والخدمية في ليبيا.

ورغم أن ملف الهجرة والعمالة الأجنبية غالباً ما يُناقش من زاوية التحديات الأمنية أو التنظيمية، فإن أصحاب الأعمال يؤكدون أن العمالة الوافدة تؤدي دوراً مهماً في استمرارية النشاط الاقتصادي، خاصة في المهن التي تعاني نقصاً في الأيدي العاملة المحلية.

ركيزة تشغيلية

ويؤكد مدير التشغيل بمجمع الهاني مول في طرابلس، محمد الجدايمي، أن العمالة الأجنبية تمثل جزءاً أساسياً من منظومة العمل داخل المجمع منذ افتتاحه، حيث تشغل عدداً من الوظائف الإدارية والتشغيلية، من بينها إدارة المخازن والصالات والأقسام، إلى جانب الأعمال المتعلقة بترتيب الأرفف وتنظيم السلع.

محمد الجدايمي,
مدير التشغيل في مجمع الهاني مول محمد الجدايمي (مصدر الصورة: الجدايمي)

ويُرجع الجدايمي الاعتماد على هذه العمالة إلى ما تتمتع به من كفاءة وانضباط مهني وقدرة على الحفاظ على مستويات مرتفعة من الإنتاجية، فضلاً عن حسن التعامل مع مختلف الأطراف داخل بيئة العمل. كما يشير إلى وجود صعوبات في استقطاب عمالة محلية لشغل بعض هذه الوظائف بالمستوى نفسه من الالتزام والاستمرارية.

وبحسب الجدايمي، أسهمت العمالة الأجنبية في تطوير الأداء التشغيلي للمجمع من خلال تقديم خبرات وممارسات ساعدت على رفع مستوى الخدمة، مضيفاً أن غيابها قد ينعكس سلباً على سير العمل، من خلال تراجع الإنتاجية والانضباط وظهور مشكلات متكررة في آليات التشغيل اليومية.

ويرى أن وجود هذه العمالة كان له أثر واضح في تحسين جودة الخدمات المقدمة وتعزيز كفاءة العمل داخل المجمع، ما جعلها عنصراً مهماً في استمرارية النشاط التجاري.

ولا يقتصر الاعتماد على العمالة الأجنبية على الأسواق التجارية، بل يمتد إلى قطاعات البناء والمقاولات والصناعات الخفيفة والخدمات المنزلية والمطاعم، حيث أصبحت هذه العمالة جزءاً من المشهد الاقتصادي اليومي في البلاد.

بين احتياجات السوق ومتطلبات التنظيم

من جانبه، أوضح رئيس قسم العمل بإدارة التفتيش والسلامة المهنية بوزارة العمل، أن العمالة الأجنبية التي تدخل ضمن نطاق متابعة الوزارة هي العمالة الوافدة عبر المنافذ الرسمية، مشيراً إلى أن أعداد العاملين الأجانب الموجودة فعلياً في سوق العمل تفوق بكثير الأعداد المقيدة لدى الوزارة، وهو ما يعكس، بحسب قوله، ضعف التزام بعض أصحاب الأنشطة الاقتصادية بتسوية أوضاع العمالة التي يستخدمونها. وأضاف أن هذا الواقع يجعل من الصعب تقديم إحصاءات دقيقة وشاملة حول العدد الفعلي للعمالة الأجنبية في البلاد.

نصر الدين الكموشي، رئيس قسم التفتيش بإدارة العمل والسلامة المهنية بوزارة العمل، خلال اجتماع عمل داخل مكتبه.
رئيس قسم التفتيش بإدارة العمل والسلامة المهنية بوزارة العمل نصر الدين الكموشي (المصدر: الكموشي)

وأشار الكموشي إلى أن عدداً من القطاعات يعتمد بشكل كبير على العمالة الوافدة، وفي مقدمتها قطاعات البناء والتشييد والزراعة وخدمات المناولة والنظافة، إلى جانب الأعمال الفندقية والمطاعم والمقاهي. وأوضح أن سوق العمل الليبي يستعين بالعمالة الأجنبية لسد النقص في المهن التي تشهد عزوفاً من العمالة الوطنية، خصوصاً الأعمال التي تتطلب جهداً بدنياً، فضلاً عن بعض التخصصات الدقيقة والنادرة التي تحتاج إلى خبرات وكفاءات عالية.

وأكد أن العمالة الأجنبية تؤدي دوراً مهماً في دعم النشاط الاقتصادي وتلبية احتياجات السوق المحلية، لافتاً إلى مساهمتها في استمرارية العديد من الأنشطة والخدمات التي يعتمد عليها الاقتصاد الليبي بشكل يومي.

وفيما يتعلق بتنظيم هذا الملف، أوضح الكموشي أن وزارة العمل تعمل على تطوير آليات الحصر والمتابعة من خلال منصة “وافد” الرقمية، التي تهدف إلى إنشاء قاعدة بيانات موحدة للعمالة الأجنبية وربطها إلكترونياً بالجهات المختصة. كما أشار إلى سعي الوزارة لتفعيل مذكرات التفاهم مع الدول المصدرة للعمالة لضمان دخول العمال عبر القنوات الرسمية، إلى جانب تكثيف الحملات التفتيشية لمتابعة مدى الالتزام بالتشريعات المنظمة لسوق العمل.

وأضاف أن الوزارة تعمل كذلك على تعزيز فرص تشغيل الليبيين من خلال تطبيق التشريعات التي تحدد نسب تشغيل العمالة الوطنية داخل الوحدات الاقتصادية، وتدريب الباحثين عن العمل على المهن المطلوبة في السوق، فضلاً عن تحديث قوائم المهن المقتصرة على المواطنين الليبيين بشكل دوري.

وفي المقابل، لفت الكموشي إلى أن ملف العمالة الأجنبية يواجه تحديات متعددة، من بينها غياب الإحصاءات الدقيقة، وانتشار العمالة غير النظامية، وما يترتب على ذلك من صعوبات تتعلق بتحصيل الرسوم والضرائب وتنظيم سوق العمل. كما أشار إلى أن وجود أعداد كبيرة من العمالة خارج الأطر القانونية يفرض ضغوطاً إضافية على الموارد والخدمات العامة.

وشدد على أن الوزارة حريصة على ضمان حقوق العمال الأجانب العاملين بصورة قانونية، من خلال إلزام أصحاب العمل بإبرام عقود عمل معتمدة وتوفير الضمانات القانونية والرعاية الصحية والالتزام بمعايير السلامة المهنية. وأكد أن احترام حقوق العامل الأجنبي يمثل جزءاً أساسياً من جهود الوزارة لتنظيم سوق العمل وتحقيق التوازن بين احتياجات الاقتصاد ومتطلبات الحماية القانونية والاجتماعية لجميع العاملين.

تنظيم العمالة وحماية الاقتصاد

وفي السياق القانوني، يرى وكيل نيابة فضّل عدم الكشف عن هويته أن ملف العمالة الأجنبية في ليبيا يمثل قضية معقدة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، مشيراً إلى أن العمالة الوافدة يمكن أن تكون عاملاً داعماً للاقتصاد إذا جرى تنظيمها وفق احتياجات سوق العمل وضمن قواعد بيانات دقيقة تحدد أعداد العاملين وتخصصاتهم وأماكن وجودهم.

وأوضح أن سوق العمل الليبي يحتاج إلى تصنيف واضح لأنواع العمالة الأجنبية، سواء كانت عمالة موسمية أو عمالة مرتبطة بعقود عمل أو كوادر متخصصة تمتلك خبرات ومهارات عالية، لافتاً إلى أن استقطاب الكفاءات المتخصصة يواجه تحديات تتعلق بالظروف الاقتصادية ومستويات الدخل مقارنة بدول أخرى.

وأكد أن التمييز بين العمالة الوافدة والهجرة غير النظامية يعد أمراً ضرورياً عند مناقشة هذا الملف، موضحاً أن العامل الوافد يدخل البلاد بصورة قانونية ويحصل على تأشيرة دخول وتصاريح عمل، في حين أن المهاجر غير النظامي يدخل بطرق غير قانونية أو يخالف شروط الإقامة والعمل الممنوحة له. وأضاف أن الخلط بين الفئتين يؤدي إلى صعوبات في وضع السياسات المناسبة للتعامل مع كل حالة.

نقص البيانات

وأشار إلى أن غياب البيانات الدقيقة والموثوقة حول بعض فئات المهاجرين يمثل تحدياً أمنياً وإدارياً، خصوصاً في الحالات التي يصعب فيها التحقق من الهوية أو الجنسية أو الوضع القانوني للأفراد، ما ينعكس على جهود الدولة في تنظيم سوق العمل ومكافحة الجريمة وتعزيز الأمن العام.

وشدد على أهمية تحقيق التوازن بين حماية حقوق العمال الأجانب وضمان حقوق أصحاب العمل، من خلال توثيق عقود العمل وتفعيل أنظمة التسجيل والرقابة، بما يسهم في الحد من المخالفات وحماية جميع الأطراف ضمن إطار قانوني واضح. كما دعا إلى تطوير سياسات أكثر فاعلية لتنظيم العمالة الأجنبية تستند إلى دراسات حقيقية لاحتياجات السوق الليبي، وتربط بين متطلبات التنمية الاقتصادية والاعتبارات الأمنية والاجتماعية.

وبين احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنظيم، تبدو العمالة الأجنبية أحد العناصر المؤثرة في الاقتصاد الليبي، حيث تسهم في استمرار العديد من الأنشطة والخدمات اليومية. ويبقى التحدي في إيجاد توازن يضمن الاستفادة من هذه الأيدي العاملة مع تنظيم وجودها بما يخدم المصلحة العامة.

شاهد أيضاً

مبنى المفوضية العليا للانتخابات في طرابلس ( مصدر الصورة, المصور حسن المجدوب )

هل تنجح القوى السياسية في الوصول إلى الانتخابات؟

إعداد: منى عريبي رغم سنوات من الجهود المحلية والدولية الرامية إلى إنهاء المراحل الانتقالية عبر …