باختصار
لم تكن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول ليبيا مجرد زلة لسان عابرة في تجمع انتخابي، بل كانت إساءة إلى شعب كامل، وإهانة دولة ذات تاريخ عريق في صورة نمطية مرتبطة بالإرهاب والهجرة غير الشرعية…. وعندما يصدر هذا الكلام عن رئيس دولة كأمريكا، فإن الموضوع يتجاوز حدود اللياقة الشخصية ليصبح اختباراً للاحترام الذي ينبغي أن تقوم عليه العلاقات بين الدول.
لكن دعونا نسأل لماذا في هذا التوقيت تحديداً؟ هنا يجب أن نعرف أن هذه التصريحات جاءت في تجمع انتخابي ضخم، وهو يهاجم خصومه الديمقراطيين بسبب سياسات الهجرة، قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي …. وهنا تكمن إحدى دلالات المشهد، حيث استخدم اسم ليبيا ضمن خطاب سياسي داخلي يستهدف استثارة مخاوف الناخب الأمريكي من الهجرة والإرهاب، وبذلك تحولت ليبيا الدولة صاحبة السيادة والتاريخ النضالي إلى مادة في سجال انتخابي لا تتحكم في مساراته ولا تحدد أهدافه.
كما أن توقيت التصريحات يكتسب أهمية إضافية في ظل انخراط أمريكا في الملف الليبي، وسعيها إلى تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي، ودعم مسار التسوية السياسية والانتخابات…. ولهذا لا يمكننا قراءة ما حدث بمعزل عن هذه المصالح، وإن لم تتوافر أدلة كافية للقول إن الإساءة كانت رسالة أمريكية مقصودة إلى الموجودين في المشهد السياسي الليبي، لكن هذا لا يعفي صاحبه من المسؤولية عن الكلمات التي تفوه بها.
ما أثار انتباهي إنه بعد موجة الغضب الليبي، نشر ترامب كلاما تصحيحياً وصف فيه الليبيين بأنهم شعب فخور وصامد ومضياف، وأكد احترامه لتضحياتهم في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، وتحدث عن تعزيز العلاقات ودعم السلام والازدهار، غير أن هذا التراجع في النبرة لا يعد اعتذاراً صريحاً عن إهانته، خاصة أنه ربط ذلك بمطالبة ليبيا بإنهاء استخدامها ممراً للهجرة غير الشرعية.
أما ما كان ينبغي أن تفعله الدولة الليبية، فهو الرد السريع والواضح، وليس انتظار اتساع الغضب الشعبي…. وقد شهدنا بالفعل تحركاً دبلوماسيا باستدعاء القائمة بالأعمال الأمريكية وتقديم احتجاج رسمي، إلى جانب مواقف رافضة صدرت عن مؤسسات ليبية، لكن كان من المهم أن يتبع ذلك طلب تصحيح علني واضح وصريح، ومطالبة أمريكا بتأكيد أن تصريحات رئيسها لا تمثل موقفاً رسميا من الشعب الليبي، مع تجنب خطوات انفعالية تضر بالمصالح الليبية.
فالدبلوماسية ليست صراخاً ولا استعراضاً، كما أنها لا تعني أن نسكت على الإهانة، إنها القدرة على الدفاع عن الكرامة دون التفريط في المصالح.
كما أننا نعرف جميعاً أن ليبيا ليست دولة خالية من الأزمات، ولا نحتاج إلى إنكارها حتى تدافع عن صورتها، لكننا شعب يرفض المساس بكرامته مهما كانت الأسباب، ولا نرضى أن نتهم في خطاب عابر يغلب عليه الحماسة الانتخابية.
فالانتخابات الأمريكية شأن أمريكي، أما كرامة الليبيين فليست مادة للدعاية الانتخابية، ولا ينبغي أن تكون محل مساومة سياسية.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية