منصة الصباح
أنقرة تتمسك بالاتفاق وأثينا تتوعد بحماية حقوقها
أنقرة تتمسك بالاتفاق وأثينا تتوعد بحماية حقوقها

أنقرة تتمسك بالاتفاق وأثينا تتوعد بحماية حقوقها

 تقرير / مني عريبي

تتصاعد التجاذبات السياسية والقانونية في شرق البحر المتوسط عقب موافقة مجلس النواب الليبي، المتمركز في شرق البلاد، على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا عام 2019، في خطوة أعادت ملف ترسيم الحدود البحرية إلى واجهة الخلافات الإقليمية، ودفعت اليونان إلى تجديد رفضها للاتفاق، فيما تمسكت أنقرة بشرعيته، واعتبرت التطور الأخير مكسبًا دبلوماسيًا يعزز علاقاتها مع ليبيا.

وفي أحدث موقف تركي، دافع وزير الخارجية هاكان فيدان عن المذكرة، مؤكدًا أنها مشروعة من الناحيتين القانونية والسياسية، وأن بلاده تعتبرها نافذة منذ توقيعها عام 2019. ووصف موافقة مجلس النواب الليبي بأنها تأكيد للاتفاق القائم، وليس تصديقًا جديدًا عليه، وفق التفسير القانوني الذي تتبناه أنقرة.

واعتبر فيدان أن التطور يمثل نجاحًا للدبلوماسية التركية في ظل قيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، مشددًا على أن التعاون بين البلدين يستند، بحسب قوله، إلى المصالح المتبادلة، وأن أنقرة ترى في الاتفاق إطارًا لدعم الاستقرار وتعزيز حضورها في منطقة شرق المتوسط.

اليونان ترفض الاتفاق وتتمسك بحقوقها البحرية

على الجانب الآخر، جاء الرد اليوناني حازمًا؛ إذ رفضت وزارة الخارجية اليونانية، في بيان صدر في 20 أكتوبر الجاري، موافقة مجلس النواب الليبي على المذكرة، واعتبرتها غير قانونية وباطلة، مؤكدة أن الخطوة البرلمانية لا تغيّر، من وجهة نظر أثينا، الوضع القانوني للاتفاق ولا تمنحه شرعية دولية.

وتستند اليونان في اعتراضها إلى أن الاتفاق، بحسب موقفها الرسمي، يتجاهل الحقوق البحرية للجزر اليونانية، ولا سيما جزيرة كريت وجزر جنوب شرق بحر إيجه، كما ترى أن السواحل التركية والليبية لا توفر، وفق تفسيرها للقانون الدولي للبحار، الأساس الجغرافي والقانوني اللازم للترسيم الذي تتضمنه المذكرة.

وأكدت أثينا أنها ستتخذ الإجراءات المناسبة لحماية حقوقها السيادية، مشيرة إلى أنها أبلغت شركاءها وحلفاءها بموقفها. كما نقلت اعتراضاتها إلى مجلس الأمن الدولي، محذرة من انعكاسات الاتفاق على الأمن والاستقرار في شرق المتوسط.

وفي تصريح لاحق، شدد وزير الخارجية اليوناني جورجوس يرابيتريتيس على أن موافقة مجلس النواب الليبي لا تغيّر، بحسب تقديره، الوضع القانوني للمذكرة، وأنها لن تكون قابلة للتنفيذ من وجهة النظر اليونانية، في موقف يعكس تمسك أثينا بمواجهة الاتفاق عبر المسارات الدبلوماسية والقانونية.

مصر والاتحاد الأوروبي.. اعتراضات تتسع

ولم يقتصر الرفض على اليونان؛ إذ أعلنت مصر، في 21 أكتوبر، رفضها موافقة مجلس النواب الليبي على المذكرة، مؤكدة أن المصادقة عليها لا تترتب عليها آثار قانونية تجاه القاهرة، ومجددة وصفها للاتفاق بأنه باطل ولا ينتج آثارًا قانونية تمس حقوقها.

ويأتي الموقف المصري في سياق خلافات قائمة بشأن ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط، خصوصًا بعد اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان عام 2020، الذي يعكس تباينًا واضحًا مع التصور التركي الليبي للمناطق البحرية.

كما جدّد الاتحاد الأوروبي اعتراضه على الاتفاق، معتبرًا أنه يمس الحقوق السيادية لدول ثالثة، في موقف يضع المذكرة أمام معارضة إقليمية ودولية تتجاوز الخلاف الثنائي بين ليبيا وتركيا.

وتكشف هذه المواقف عن اتساع دائرة الخلاف، مع دخول الاعتبارات الأوروبية والإقليمية على خط الأزمة، بما يجعل الاتفاق أحد الملفات الحساسة في العلاقات بين دول شرق المتوسط.

لماذا تثير المذكرة كل هذا الجدل؟

تعود جذور الخلاف إلى نوفمبر 2019، عندما وقّعت حكومة الوفاق الوطني الليبية وتركيا مذكرة تفاهم لترسيم مناطق الاختصاص البحري بين البلدين في البحر المتوسط، بالتزامن مع اتفاق للتعاون الأمني والعسكري.

ومنذ توقيعها، أثارت المذكرة اعتراضات يونانية ومصرية، بسبب اختلاف وجهات النظر بشأن حقوق الجزر في المناطق البحرية، وحدود الجرف القاري، والمناطق الاقتصادية الخالصة، فضلًا عن ارتباط الملف بالمصالح المتعلقة باستكشاف النفط والغاز ومسارات الطاقة في المنطقة.

وتستند أنقرة إلى تفسيرها لقواعد القانون الدولي لتأكيد حقها في التوصل إلى اتفاق مع ليبيا، بينما ترى أثينا أن الترسيم الوارد في المذكرة ينتقص من حقوقها البحرية. وهنا تكمن جوهر الأزمة: فالأطراف لا تختلف فقط على الخطوط البحرية المقترحة، بل أيضًا على الأسس القانونية والجغرافية التي ينبغي اعتمادها لتحديد تلك الخطوط.

ومع ذلك، فإن المواقف السياسية المتعارضة لا تعني أن الخلاف القانوني حُسم؛ فقبول الاتفاق من جانب طرف لا ينهي تلقائيًا اعتراضات الأطراف الأخرى، كما أن التصريحات المتبادلة لا تمثل وحدها حكمًا قضائيًا دوليًا نهائيًا بشأن مشروعية الترسيم.

ماذا تعني الخطوة بالنسبة إلى ليبيا؟

تحمل موافقة مجلس النواب أهمية سياسية تتجاوز الجانب الإجرائي، إذ تعكس تحولًا في موقف القيادة السياسية في شرق ليبيا من مذكرة سبق أن عارضتها السلطات هناك، وتفتح الباب أمام تقارب أوسع مع أنقرة، بعد سنوات من التباعد السياسي.

ومن المنظور الليبي، يرتبط جوهر القضية بضرورة حماية الحقوق البحرية للدولة، وتحديد مناطق الاختصاص الاقتصادي والجرف القاري، وضمان عدم التفريط في أي حقوق أو موارد محتملة، غير أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب أيضًا وضوحًا قانونيًا ومؤسساتيًا، وتنسيقًا بين المؤسسات الليبية، وتقييمًا دقيقًا للآثار التي قد تترتب على الاتفاق في علاقات ليبيا مع جيرانها وشركائها الدوليين.

شرق المتوسط أمام مرحلة جديدة من التجاذبات

تكشف التطورات الأخيرة أن مذكرة التفاهم البحرية لم تعد مجرد اتفاق ثنائي بين ليبيا وتركيا، بل تحولت إلى محور تنافس سياسي وقانوني واستراتيجي تتداخل فيه مصالح الدول المطلة على شرق المتوسط، وحسابات الطاقة والأمن والنفوذ.

ففي الوقت الذي تراهن فيه أنقرة على تعزيز الاتفاق وتوسيع التعاون مع ليبيا، تسعى أثينا إلى حشد الدعم الدبلوماسي وتأكيد حقوقها البحرية، بينما تتمسك القاهرة برفضها وتدعو مواقف أوروبية إلى عدم المساس بحقوق الدول الأخرى.

وبين تمسك تركيا بالاتفاق وتصعيد اليونان اعتراضاتها، تقف ليبيا أمام اختبار مهم يتمثل في كيفية تحويل ملف الحدود البحرية إلى مسار يخدم مصالحها الاقتصادية والسيادية، دون أن يتحول إلى مصدر إضافي للتوتر أو ورقة في صراعات النفوذ الإقليمي.

ويبقى السؤال الأبرز: هل تمهّد موافقة مجلس النواب الليبي لتثبيت تفاهم بحري طويل الأمد، أم تفتح جبهة جديدة من الخلافات القانونية والدبلوماسية في شرق المتوسط؟ الإجابة ستتوقف على الخطوات المقبلة، ومدى استعداد الأطراف للجوء إلى الحوار والتفاوض والآليات القانونية الدولية لمعالجة النزاع.

شاهد أيضاً

مروة القضقاض تحول بقايا الأشياء إلى نوافذ وحدائق

الصباح/ خلود الفلاح بدقة وتركيز كبيرين، وباستخدام أدوات صغيرة ودقيقة، تعكف الفنانة مروة القضقاض على …