جمعة بوكليب
زايد…ناقص
قرأتُ مؤخرًا رواية بعنوان” جِلعاد-GILEAD ” لكاتبة أميركية اسمها مارلين روبنسون. استعصى عليَّ فهم العنوان فبحثت عن معناه في الانترنت. لم أكن أعلم أن الكلمة ستقودني إلى سؤال أقدم من الرواية بآلاف السنين، وأشدّ راهنية مما توقعت.
اتضح أن “جِلعاد” اسم عِبري قديم. وجغرافياً: منطقة جبلية في شرق نهر الأردن، تقع فيما يُعرف اليوم بالاردن. ورد ذكرها في “العهد القديم”، بانها كانت أرضاً خصبة اشتُهرت بنوع نفيس من البلسم. اختارت روبنسون هذا الاسم عنواناً لروايتها الصادرة عام 2005، التي فازت بجائزة البوليتزر في العام ذاته. وهي رواية تدور أحداثها حول قسيس مُسنّ يكتب وصيته لابنه الصغير على شكل رسائل قُبيل رحيله.
لكن ما استوقفني أكثر من الرواية هو المثلُ الذي يختبئ خلف عنوانها، وجاء على لسان النبي إرميا كاملاً :” أما في جِلعاد بَلسم؟ أما ثمة طبيب هناك؟”
ملخّص القصة أن النبي إرميا كان يرى حوله فساد النخبة الدينية والسياسية اليهودية، وتفكك النسيج الاجتماعي، وشعباً يسير نحو هاوية يرفض أن يرى حافتها. كان يصرخ ولا أحد يسمع، يحذّر ولا أحد يُبالي، حتى سُجن وأُلقي في بئر، لأن الحقيقة كانت مزعجة لمن يملكون السلطة.
لو أن إرميا بُعث اليوم وجاء إلى ليبيا، لما احتاج إلى كثير وقت ليتعرّف على المشهد. الفساد الضارب جذوره في النخب السياسية والدينية، والثروة الوطنية تُهدر و تُنهب، والأصوات التي تدعو إلى الإصلاح تُقصى أو تُسكت، كل ذلك يجعل سؤال إرميا القديم سؤالاً ليبياً راهناً بامتياز.
البلسمُ في ليبيا موجود: ثروة، وأرض، وكفاءات، وشباب لم تُكسر إرادته بعد. والأطباء القادرون على تشخيص الداء ووصف العلاج موجودون. لكن النخبة التي تتقاسم المشهد والغنائم منذ عام 2011 تعرف أن البلسم إن سُكب فعلاً، فلن يبقى لهم مكان. لذلك، كان طبيعيًا أن يتناسوا اختلافاتهم، ويتفقون على إبقاء الجرح مفتوحًا.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية