الصباح /حنان علي كابو
من غياب الدعم المؤسسي إلى تحولات الكتابة السردية.. حواريات معرض بنغازي الدولي للكتاب تفتح ملفات الإبداع وأسئلته المؤجلة..
لم تكن الثقافة في الحواريات المصاحبة للدورة الخامسة من معرض بنغازي الدولي للكتاب مجرد موضوع للنقاش، بل كانت هي نفسها موضع مساءلة؛ من أين يأتي دعمها؟ وكيف تحافظ على استمرارية إنتاجها؟ وما الذي يجعل الفن قادراً على التأثير في المجتمع وتحريك اقتصاده؟ ثم كيف تكتب الرواية الليبية تحوّلات الإنسان، وتؤسس لصوت سردي يعرف خصوصيته وينفتح على العالم؟
أسئلة تفرعت من حوارية إلى أخرى، وامتدت من واقع الصناعات الثقافية والإبداعية إلى مشاغل الرواية والكتابة، في برنامج ثقافي انطلق مساء الثلاثاء 3 نوفمبر 2026، بكلمات ترحيب وتكريم الطفلة حنين زكريا عمورة، الحائزة على الترتيب الأول على مستوى بنغازي في تحدي القراءة العربي، إلى جانب وصلة موسيقية قدمتها فرقة «الزمن الجميل»..
الثقافة والاقتصاد.. من يصنع الآخر؟
في حوارية «الثقافة والاقتصاد: الرؤية الغائبة في ليبيا»، التي أقيمت الأربعاء 4 نوفمبر، انتقل النقاش إلى واحدة من أكثر الإشكاليات إلحاحاً في المشهد الثقافي: هل تستطيع الثقافة أن تتحول إلى قطاع منتج ورافد للتنمية، أم ستظل رهينة المبادرات الفردية والجهود الذاتية؟

المخرج والمنتج محمد البرغثي وضع الإنتاج السينمائي في قلب هذه الإشكالية، متوقفاً عند صعوبة استمرارية الأعمال الثقافية في ظل محدودية الدعم، وما يواجهه المنتجون من تحديات تتصل بالتشريعات وتداخل الأدوار الاقتصادية والمؤسسية..
واستعاد تجربة مجلس الثقافة العام، وما كان يقدمه من دعم للمهرجانات والأعمال السينمائية، مشيراً إلى أن العمل الثقافي يحتاج إلى دعم حكومي حقيقي، وأن الاعتماد على العلاقات والمعارف لا يمكن أن يشكل بديلاً عن سياسة ثقافية واضحة..
ولم يكن استحضاره للتجارب الدولية مجرد مقارنة في حجم التمويل، بل محاولة لتأكيد أن الاستثمار في الثقافة لا يُقاس بالعائد المالي وحده؛ فالأعمال الثقافية تحفظ الذاكرة الوطنية، وتصون الهوية، وتحقق مكاسب اجتماعية ومعرفية. واستشهد بتجارب دولية يصل فيها الدعم العام للأعمال الثقافية إلى نسب مرتفعة، كما أشار إلى النموذج التونسي في توظيف التشريعات لتخصيص موارد لدعم القطاع الثقافي..
الفن يصنع جمهوره..

ومن زاوية أكثر تفاؤلاً، قدم التشكيلي والحروفي علي القرقوري قراءة لمسار الفنون التشكيلية، معتبراً أن المشهد اليوم يشهد تطوراً مقارنة بالماضي، وأن أثر الفن بدأ يتسع في المجتمع، مع تزايد الإقبال على الورش والتدريب والأنشطة الفنية..
ورفض القرقوري تحميل المجتمع مسؤولية إعاقة الفن، مؤكداً أن الفنانين هم من يؤثرون في المجتمع ويسهمون في بناء ذائقته، مستشهداً بتجربة منظمة «براح» في احتضان الفنون والأنشطة الإبداعية، وما تنظمه من ورش وملتقيات وندوات..
وكان للاقتصاد حضوره في مداخلته أيضاً؛ فالفن، في نظره، لا ينتظر الاقتصاد كي يدعمه، بل يساهم هو الآخر في تحريكه. فزيادة الإقبال على أدوات الرسم، واتساع الاهتمام بالآلات الموسيقية، وما يرتبط بذلك من نشاط تجاري، كلها مؤشرات على أن الحركة الفنية تخلق احتياجات وأسواقاً جديدة. لذلك بدت نظرته متفائلة، حتى وإن كان التقدم بطيئاً..
الرواية الليبية.. حكاية تتغير وأسئلة لا تنتهي
من سؤال التمويل إلى سؤال الكتابة، اتجهت الحواريات إلى الرواية الليبية، وما تشهده من تحولات في الموضوعات والبناء الفني، وما ينتظر الأجيال الجديدة من تحديات في صناعة نص روائي أكثر وعياً بأدواته وأسئلته..

الروائي قصي البسطامي تناول الرواية الشبابية ومساراتها المستقبلية، وطرح سؤالاً عن طبيعة ما يكتبه الشباب في المرحلة الراهنة، متوقفاً عند العلاقة بين الموهبة والخلفية المعرفية والنقدية، ومشيراً إلى أن عدداً من التجارب يعتمد على الموهبة في كتابة القصة والرواية دون امتلاك خلفية كافية في الأدب والنقد..
ومن تجربته في الكتابة، كشف البسطامي عن طريقته في بناء الرواية، إذ يبدأ بتشكيل الشخصيات وتحديد الفكرة، ويترك العنوان إلى ما بعد اكتمال العمل. كما تناول الواقعية والواقعية السحرية، والحدود الفاصلة بينهما، وعلاقة الكاتب بقضاياه الاجتماعية وما يحيط به من تناقضات وصراعات وخسارات..
وامتد النقاش إلى تأثير الأدب العالمي في الرواية المحلية، وإلى قدرة الكاتب على تناول بيئته وتراثه دون أن يتحول النص إلى مساحة للتعريف بالموروث وحده، خاصة مع الدور الذي تؤديه وسائل الإعلام في نقل المعلومات والتعريف بالمكونات الثقافية..
وكان الإنسان، بما يحمله من حروب داخلية وخسارات وصراعات نفسية واجتماعية، حاضراً في قراءته للعمل الروائي؛ فالكتابة تذهب إلى ما يختبئ وراء الشخصيات، وإلى ما يصنع هشاشتها وتناقضاتها. ووصف البسماطي الجلسة بالمهمة، لما شهدته من مداخلات ثرية وممتعة، وأخرى أثارت أسئلة مقلقة تستحق التفكير..
كما استعرض محطات من سيرته الأدبية، من بينها فوزه بمحترف الثقافة، ونشر روايته «عقاب» عن دار النهضة..
المرأة في الرواية.. من التجربة الخاصة إلى الحكاية الإنسانية
حضور المرأة في المشهد الروائي كان من المحاور التي فتحت أسئلة حول قدرة الكاتبة الليبية على تقديم رؤيتها الخاصة لقضايا المجتمع والهوية والذات، بعيداً عن الصور الجاهزة والتصورات التقليدية للمرأة في الأدب..

وتناولت في مشاركتها الروائية غالية الذرعاني كيفية تحويل التجربة الشخصية والواقع الاجتماعي إلى مادة روائية، دون السقوط في المباشرة أو الاكتفاء بالبوح الذاتي، وكيف يمكن للتفاصيل الخاصة أن تتحول إلى تجربة إنسانية يجد القارئ نفسه فيها..
كما امتدت الأسئلة إلى شروط انتقال الرواية الليبية إلى مرحلة أكثر نضجاً وانتشاراً، ومدى مواكبة النقد الأدبي لتحولاتها، وما إذا كانت التجربة الروائية قد سبقت النقد في مغامراتها الفنية. وعادت النقاشات إلى بدايات الرواية الليبية، وعلاقتها بالتحولات الاجتماعية والتجارب العربية والعالمية، ومدى نجاحها في تأسيس هوية سردية تجمع بين خصوصية البيئة المحلية والانفتاح على العالم..
أصوات سردية جديدة ..الغموض بوابة الحكاية

وفي سياق تعدد التجارب الروائية الليبية، تبرز تجربة دارين حسين المهدوي، الكاتبة والروائية المولودة في بنغازي عام 1993، وخريجة كلية الإعلام، التي تتابع دراستها للدكتوراه، وتختار عوالم الغموض والرعب النفسي والجريمة والمؤامرات فضاءً لكتاباتها..
تشتغل المهدوي على بناء أحداث متشابكة وشخصيات ذات أبعاد نفسية وفلسفية، مستفيدة من الوصف ذي الطابع السينمائي، ومن الخيال في طرح قضايا فكرية وإنسانية واجتماعية..
ومن بين إصداراتها «المليار الذهبي»، و«جزيرة إيليت»، التي وصلت إلى طبعتها الثانية وتستعد لطبعتها الثالثة، و«لغز قاتل المرايا»، فيما تواصل عالمها الروائي من خلال الجزء الثاني «جزيرة إيليت 2: عصر الفتنة وبداية النهاية»، حيث تتسع مساحة الصراع من أسرار الجزيرة إلى تحولات سياسية وفكرية أوسع..
منصة للأسئلة لا للاحتفاء وحده
وتبدو أهمية هذه اللقاءات في أنها تفتح النقاش على ما يتجاوز المنجز الإبداعي نفسه؛ على المؤسسات التي يفترض أن تدعمه، والبيئة التي تحتضنه، والنقد الذي يواكبه، والجمهور الذي يمنحه فرصة الحياة والانتشار..
هكذا تتحول الفعاليات الثقافية المصاحبة لمعرض بنغازي الدولي للكتاب إلى مساحة لاكتشاف ما يشغل المبدعين، وما يعترض طريقهم، وما يتطلعون إلى إنجازه. فالثقافة تحتاج إلى اقتصاد يؤمن بها، والرواية تحتاج إلى نقد يقرأ تحوّلاتها، والإبداع يحتاج إلى فضاء يسمح له بأن يتجدد ويترك أثره..
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية