أثار القانون رقم (9) لسنة 2026م، بشأن تعديل بعض أحكام القانون رقم (2) لسنة 2018م بشأن الجامعات، مسائل تتجاوز تحديث مسمى القانون أو إعادة ترتيب بعض الاختصاصات. فبعض أحكامه يمس العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وبعضها يتصل باستقلال الجامعات، بينما يطرح توسيع نطاق تطبيقه سؤالًا عن مدى ملاءمة أحكامه لمؤسسات تختلف في طبيعتها وبنائها التنظيمي.
وتقتصر هذه القراءة على ثلاثة جوانب: جهة إصدار اللوائح التنفيذية، وسلطة تكليف العمداء، ومدى اتساق النطاق الجديد للقانون مع بنيته القائمة.
تتمثل أبرز المسائل المثيرة للقلق في المادة السادسة من التعديل، التي أسندت إصدار اللوائح والقرارات اللازمة لتنفيذ القانون إلى رئاسة مجلس النواب، بناءً على عرض لجنة التعليم، وذلك إلى حين توحيد السلطة التنفيذية.
فاللوائح التنفيذية، وإن تضمنت قواعد عامة، تتصل بوظيفة تنفيذ القانون وتفصيل أحكامه في حدود ما رسمه المشرّع. وإسناد إصدارها إلى رئاسة السلطة التشريعية يثير إشكالًا جديًا بشأن الفصل بين السلطات وتوزيع الاختصاصات، خصوصًا أن النص السابق كان يعهد بهذه المهمة إلى مجلس الوزراء، بناءً على عرض وزير التعليم واقتراح المجلس الأعلى للجامعات.
وقد يُفهم هذا الاختيار بوصفه محاولة لتجاوز الانقسام التنفيذي وتوحيد القواعد المنظمة للقطاع. غير أن وجاهة الغاية لا تحسم سلامة الوسيلة؛ فوجود نص في قانون عادي يمنح رئاسة البرلمان هذا الاختصاص لا يغني عن بحث توافقه مع الإطار الدستوري المنظم لوظائف السلطات. ومن ثم، فإن الحكم يثير شبهة دستورية تستحق المناقشة، دون أن يعني ذلك الجزم ببطلانه قبل الفصل فيه من الجهة القضائية المختصة.
ولا يقف الإشكال عند جانبه الدستوري؛ إذ تبقى إدارة القطاع وتمويله وتنفيذ سياساته مسؤوليات تتولاها جهات تنفيذية، بينما تصبح سلطة إصدار قواعد التنفيذ بيد رئاسة البرلمان. وقد يؤدي ذلك إلى انفصال بين سلطة وضع القاعدة ومسؤولية تطبيقها، بما يصعّب تحديد المسؤولية عن التعثر، ويفتح مجالًا لتعارض التوجيهات بدل توحيدها.
كذلك، فإن ربط هذا الاختصاص بعبارة «إلى حين توحيد السلطة التنفيذية» يترك نهايته معلقة على واقعة لم يحدد النص معيار تحققها: هل المقصود تشكيل حكومة موحدة، أم حصولها على الثقة، أم مباشرتها اختصاصاتها في كامل البلاد؟ ومن يقرر تحقق هذا الشرط؟ وما مصير اللوائح القائمة عند انتقال الاختصاص، والقرارات التي قد تصدر بعده؟
ويزيد من هذه الصعوبة أن استبدال المادة (150) أزال الضمانة الصريحة التي كانت تقرر استمرار العمل باللوائح القائمة فيما لا يتعارض مع القانون إلى حين صدور اللوائح الجديدة. ولا يعني حذف هذه العبارة سقوط اللوائح السابقة تلقائيًا، لكنه يفتح بابًا لاختلاف التفسير كان يمكن إغلاقه بحكم انتقالي واضح.
أما تكليف العمداء، فقد اتجه التعديل إلى نقل سلطة إصداره من وزير التعليم إلى داخل الجامعة. وهذا اتجاه يمكن أن يدعم استقلال المؤسسة الجامعية، ويجعل اختيار قياداتها أقرب إلى احتياجاتها العلمية والإدارية. إلا أن تحقيق هذه الغاية يتوقف على وضوح الجهة المختصة وآلية اتخاذ القرار.
فعبارة «بقرار من رئاسة مجلس الجامعة»، بناءً على اقتراح رئيس الجامعة، تثير التباسًا بين مجلس الجامعة بوصفه هيئة جماعية، ورئيسه بوصفه صاحب اختصاص فردي. والنص المنظم لتشكيل مجلس الجامعة يجعل رئيس الجامعة رئيسًا له؛ ومن ثم يصبح السؤال: هل أراد المشرّع أن يصدر التكليف بقرار جماعي من المجلس، أم بقرار من رئيسه؟
والفارق مؤثر؛ فالقرار الجماعي يفترض عرض الترشيح ومناقشته والتصويت عليه، بينما قد يجمع الاحتمال الآخر بين الاقتراح وإصدار القرار لدى الشخص نفسه. وهذا الجمع ليس محظورًا بذاته في كل تنظيم إداري، لكنه يحتاج نصًا واضحًا وضمانات مناسبة للمساءلة.
وكان الأجود تحديد جهة الاختصاص صراحةً، وربط الاختيار بترشيح معلل ومعايير معلنة للكفاءة العلمية والإدارية، مع تنظيم تعارض المصالح وأسباب الإعفاء قبل انتهاء المدة. فاستقلال الجامعة لا يكتمل بمجرد نقل الاختصاص من الوزير؛ بل يتطلب توزيعًا واضحًا للسلطات داخلها، وضمانات تمنع تحول الاستقلال المؤسسي إلى تركيز للقرار الفردي.
ويتصل الجانب الثالث بتغيير المسمى إلى «قانون التعليم العالي والبحث العلمي»، وتوسيع نطاق تطبيقه ليشمل مؤسسات متنوعة. وهذه غاية مفهومة، لكنها تحتاج بناءً تشريعيًا يناسبها؛ فالجامعة والأكاديمية والهيئة البحثية ومركز الأبحاث تختلف في الوظائف والهياكل وطرق الإدارة ومنح المؤهلات.
كما ينبغي التذكير بأن أكاديميات الدراسات العليا كانت مشمولة أصلًا بالنص المنشور لتعديل 2020؛ ولذلك فإن المسألة تتعلق بمدى استكمال تنظيم المؤسسات المختلفة، ووضوح الأحكام الواجبة التطبيق عليها.
فإذا ظلت غالبية الأحكام مصوغة حول الجامعة والكلية والقسم، فإن توسيع نطاق المخاطبين بها يثير أسئلة عملية: ما الجهة التي تقابل مجلس الجامعة في الهيئة البحثية؟ وأي أحكام القيادات والتعيين والترقية تسري على مركز الأبحاث؟ وكيف تُحسم العلاقة بين هذا القانون والتشريعات الخاصة بإنشاء تلك المؤسسات وتنظيمها؟
وكان الأنسب وضع أحكام مشتركة للمؤسسات كافة، وأحكام خاصة تراعي طبيعة كل منها، مع بيان العلاقة بتشريعاتها التنظيمية. أما توسيع النطاق دون استكمال هذه المعالجة، فقد ينقل عبء حسم مسائل جوهرية إلى جهات التطبيق، ويؤدي إلى تفاوت التفسير وتنازع الاختصاص.
إن تطوير تشريع التعليم العالي يحتاج إلى دقة توازي أهمية أهدافه. وتستدعي هذه الجوانب الثلاثة مراجعة تضمن سلامة توزيع الاختصاصات، ووضوح القرار داخل الجامعة، واتساق نطاق القانون مع أحكامه؛ حتى تتحول غاية الإصلاح إلى قواعد قابلة للتطبيق والمساءلة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية