ليس أشد ما يصيب الإنسان أن يمرض ولا أن يشتد عليه الألم حتى يعجز عن احتماله إنما أن يجتمع عليه المرض والخوف والحيرة والعجز، وأن يجد نفسه في اللحظة التي يحتاج فيها إلى النجدة وحيدا أمام أبواب مغلقة، ومؤسسات غائبة وطرقات لا يعرف إلى أين تقوده.
إن المرض مهما بلغت خطورته يظل محنة يمكن أن تواجهها المعرفة والرحمة والعلاج، لكن أن يمرض الإنسان في بلد غابت فيه الوجهة الصحية الواضحة، وتعطلت فيه سبل الاستغاثة، وتاهت فيه المسؤولية بين المؤسسات، فذلك وجع آخر يضاف إلى وجع الجسد وربما كان أشد منه قسوة.
في تلك اللحظات المفاجئة حين يتلوى المريض من شدة الألم ويهرع أهله بين الخوف والرجاء، لا يحتاج الإنسان إلى معجزة وإنما إلى نظام صحي يعرف طريقه وإلى مركز رعاية يستقبله، وطبيب يجيد تقدير حالته، ومختبر ينجز تحاليله، وجهاز تصوير يعمل، وطوارئ تتوفر فيها الأدوية والمستلزمات والمعدات، وإلى شخص مسؤول يتولى توجيهه نحو الخدمة المناسبة في الوقت المناسب، لكنه قد يجد أبواب الرعاية الأولية مغلقة، والمراكز خالية ممن يستطيع المساعدة، والمستشفيات العامة معطلة والعيادات شاغرة وأقسام الطوارئ تفتقر إلى أبسط مستلزمات الإنقاذ، والمختبرات بلا كواشف والأجهزة معطلة أو تنتظر الصيانة والمعايرة، وخدمات الأشعة متوقفة والفنيين غائبين وحتى الوسائل الضرورية لحفظ الصور ونقلها تتحول إلى عبء إضافي على مريض لا يحتمل الانتظار.
ترتفع أصوات المرضى وذويهم في ممرات يفترض أن تكون موطنا للطمأنينة، ويتردد الصراخ في مبان أُنشئت لتحتضن الحياة، لكنها تُركت حتى غدت شاهدا على الغياب. وبينما يضيع الوقت الذي قد ينقذ حياة أو يمنع إعاقة أو يخفف ألما لا يطاق، يكتشف المريض أن العلاج لم يعد وجهة عامة معلومة وإنما رحلة بحث مضنية عن مكان يعمل، وطبيب متاح، وفحص ممكن، ودواء يمكن الوثوق به.
وفي محيط بعض المستشفيات العامة الكبرى، تنمو المصحات والمختبرات ومراكز التصوير الخاصة، وتبدو الخدمات متاحة في عالم مواز استقبال بشوش وأجهزة تعمل، وموظفون حاضرون، وأطباء وممرضون حسب ما تظهره الازياء، وأسرة جاهزة وإجراءات تتسارع كلما حضرت القدرة على الدفع، هناك يستعيد الوقت قيمته وتبدو الخدمة ممكنة لكن بابها الأول هو الخزينة، فيما يظل المريض الفقير أسير العجز والانتظار.
ليست المشكلة في وجود القطاع الخاص، ولا في حق الناس في اختيار الخدمة المناسبة، إنما في أن يصبح الحصول على الرعاية رهنا بالمال، وأن تتعطل المؤسسة العامة التي أنشأتها الدولة من ثروة المجتمع، بينما يجد المريض نفسه مضطرا إلى شراء ما كان ينبغي أن يجده متاحا في حقه العام.
وتزداد المأساة حين تتداخل المصالح وتنتقل الكفاءات والإمكانات من المؤسسة العامة إلى السوق الخاص، ويصبح ضعف المرفق العام ظرفا تستفيد منه جهات أخرى، بدلا من أن يكون سببا لاستنفار الدولة لإصلاحه، عندئذ لا يعود التفاوت بين المؤسستين مجرد اختلاف في التجهيز أو مستوى الخدمة، وإنما يصبح تفاوتا في فرص النجاة بين من يستطيع دفع التكلفة وهم قلة ومن لا يملك إلا ألمه وهم الغالبية العظمى.
وتتخذ المأساة وجها أشد قسوة حين تتحول المستشفيات العامة إلى أماكن تستغلها مؤسسات تعليمية خاصة تفتقر إلى مستشفيات جامعية وتعليمية مستقلة، فتُستخدم أقسام المرضى وأسرتهم وأجسادهم لتدريب الطلبة بموجب ترتيبات لا يجوز أن تنتقص من حق المريض في العلاج الآمن والخصوصية والكرامة، ولا أن تجعل حاجته إلى الرعاية موردا لمنظومة تجارية، فالتعليم الطبي مسؤولية علمية وأخلاقية جسيمة، ولا يصح أن يقوم على استئجار المرضى والأقسام، أو أن يحل التدريب محل الخدمة، أو أن يتحول المستشفى العام إلى بديل عن البنية التعليمية التي ينبغي للكلية توفيرها.
إن المريض ليس مادة تدريبية مباحة، والطبيب ليس موردا يجوز استنزافه بين مؤسسات متعارضة المصالح، والمستشفى ليس عقارا تتوزع منافعه بعيدا عن رسالته العامة.
وتكتمل دائرة الوجع حين يضطر المواطن إلى شراء الدواء والمستلزمات من ماله، بعد أن كانت الخدمة العامة تقوم على توفيرها، ثم يجد نفسه مهددا بغلاء الأسعار، ورداءة المستلزمات، والأدوية المغشوشة أو مجهولة المصدر، وتكاليف تتضاعف مع تكرار الفحوص والتدخلات والإحالات، وقد يتحول المرض الواحد إلى سلسلة من النفقات التي تستنزف مدخرات الأسرة، وتدفعها إلى الاستدانة أو تأجيل العلاج أو الاستسلام للألم، بينما يتقدم المرض في صمت وينهش الجسد الذي كان يمكن إنقاذه بتدخل مبكر وخدمة آمنة.
إن المفارقة الأشد إيلاما أن يحدث ذلك في دولة ريعية غنية تملك من الثروات الطبيعية والإمكانات المالية ما يؤهلها لبناء نظام صحي عام متكامل، وتوفير العلاج والدواء والتشخيص والتأهيل لكل مواطن، من دون أن يكون الفقر حكما على مصيره، فالموارد التي ينبغي أن تتحول إلى صحة وعافية وأمان اجتماعي تفقد معناها حين لا تنعكس على حياة الناس، وحين تبقى المنشآت قائمة في السجلات بينما تتعطل وظائفها، وتظل الموازنات أرقاما لا يشعر بها المريض، وتصبح الحقوق المعلنة بعيدة عن سرير الألم.
الصحة ليست مباني وأجهزة وأدوية فقط وإنما نظام مسؤول وقرار حكيم وإدارة كفؤة وتمويل عادل، ورقابة نزيهة، وسلاسل إمداد مأمونة، وكفاءات تحترم العلم والإنسان.
ولا يكفي ترميم جدار أو توريد جهاز إذا غابت الصيانة والتشغيل والكوادر والمساءلة، ولا تنفع وفرة المال إن لم تتحول إلى خدمة متاحة في مكانها ووقتها، ولا قيمة لمستشفى لا يستطيع المريض أن يطمئن إلى قدرته على استقباله وإنقاذه.
إن الوجع الذي يسكن البيوت الليبية اليوم ليس وجع المرضى وحدهم وإنما وجع أسر تخشى لحظة الطوارئ، ومواطنين فقدوا الثقة في الطريق إلى العلاج، ومجتمع يرى حقه الصحي يتراجع أمام تكاليف لا يقدر عليها، واستعادة هذا الحق ليست منة من أحد، ولا مشروعا تجاريا، ولا وعدا مؤجلا إنها مسؤولية الدولة تجاه الإنسان وثروته الوطنية وكرامته، فالدولة الغنية ليست بثروة باطن أرضها، وإنما بما تمنحه تلك الثروة للإنسان من أمن وصحة وكرامة، وأقسى الفقر ليس أن يخلو جيب المواطن من المال، وإنما أن يجد نفسه في ساعة مرضه فقيرا إلى النجدة في وطن لا تنقصه الثروة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية