تقرير/ طارق بريدعة – الصباح
تحولت احتجاجات اجتماعية شهدتها فرنسا وإيطاليا، السبت 17 أكتوبر، إلى مواجهات وأعمال نهب وتخريب في عدد من المدن، بعدما خرج مئات الآلاف إلى الشوارع للتعبير عن غضبهم من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وتدهور بعض الخدمات العامة، في مشهد أعاد ملف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية إلى صدارة النقاش الأوروبي.
وبينما اتخذت التحركات في بدايتها طابعاً احتجاجياً سلمياً، شهدت مناطق عدة أعمال عنف استهدفت متاجر ومركبات ومباني عامة، ما استدعى تدخل قوات الأمن واستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق مجموعات من المحتجين.
وتكشف الأحداث عن تحديات تواجه الحكومات الأوروبية في التعامل مع المطالب الاجتماعية المتزايدة، بالتوازي مع ضرورة حماية الممتلكات العامة والخاصة وضمان حق المواطنين في التظاهر السلمي.
احتجاجات واسعة وأعمال تخريب
شهدت فرنسا تظاهرات في العاصمة باريس ومدن أخرى، بينها مرسيليا وليل وبوردو وليون وليموج، على خلفية مطالب تتعلق بغلاء المعيشة وأسعار الوقود والأجور وأوضاع التعليم والخدمات العامة.
وقدّرت وزارة الداخلية الفرنسية عدد المشاركين بنحو 550 ألف شخص، في حين رفع المنظمون العدد إلى نحو 800 ألف، وفق ما أوردته وكالة فرانس برس.
لكن الاحتجاجات شهدت، في عدد من المواقع، أعمال عنف ونهب نفذتها مجموعات من مثيري الشغب، استهدفت متاجر ومؤسسات تجارية، وأدت إلى إحراق مركبات وإلحاق أضرار بمبانٍ عامة.
وفي باريس، تعرضت محال تجارية للتخريب والاقتحام، بينها متاجر للملابس والسلع الفاخرة ومحال للاتصالات، فيما اندلعت حرائق في عدد من الشوارع، وشهدت مناطق من العاصمة مواجهات مع الشرطة.
وامتدت الأضرار إلى مدن أخرى؛ إذ تعرضت مبانٍ عامة للتخريب، فيما شهدت مرسيليا اقتحام مبنى البلدية، وأُضرمت النيران في منشأة تابعة لقطاع السياحة في ليون، وفق تقارير إخبارية عن الأحداث.
وكانت مدينة ليموج من أكثر المناطق تضرراً، بعدما اندلع حريق في مبنى البلدية التاريخي الذي افتُتح عام 1883. وأفادت السلطات المحلية بأن المبنى تعرض للاقتحام والتخريب وإضرام النار داخله، ما ألحق أضراراً جسيمة بأحد معالم المدينة التاريخية.
1200 موقوف و150 مصاباً
أعلن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، في حصيلة أوردتها تقارير إعلامية مساء السبت، توقيف نحو 1200 شخص وإصابة 150 من عناصر الشرطة والدرك خلال أعمال العنف التي رافقت الاحتجاجات.
كما سُجلت إصابات بين المتظاهرين، بينها إصابة خطيرة لشاب يبلغ 17 عاماً في مدينة سانت إتيان، بعد تعرّضه لإصابة مرتبطة بقنبلة أطلقتها الشرطة، وفق تقارير فرنسية تناولت الحادثة.
وتعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بملاحقة المتورطين في أعمال التخريب والاعتداء على المؤسسات والمتاجر، مؤكداً ضرورة محاسبة المسؤولين عن العنف.
في المقابل، أثارت الإصابات المسجلة بين المحتجين تساؤلات بشأن استخدام القوة خلال عمليات تفريق التجمعات، في وقت تؤكد فيه السلطات ضرورة التصدي لأعمال الشغب وحماية الأرواح والممتلكات.
وتأتي هذه التطورات قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة عام 2027، وسط تجاذبات سياسية بشأن أسباب الاحتجاجات وسبل التعامل معها، في ظل تصاعد المطالب الاجتماعية والاقتصادية.
نهب المتاجر ومواجهات في وسط المدينة

وفي إيطاليا، شهدت مدينة ميلانو احتجاجات ضد ارتفاع تكاليف المعيشة والحروب، تحولت إلى مواجهات بين مجموعات من المحتجين وقوات الشرطة في وسط المدينة.
وذكرت وكالة أسوشيتد برس أن المسيرة بدأت سلمية، قبل أن يلجأ أشخاص ملثمون إلى رشق الشرطة بالحجارة والأجسام الصلبة، وإضرام النار في حواجز جرى تشكيلها باستخدام طاولات المقاهي، فيما تعرضت متاجر وممتلكات للتخريب والنهب.
وأدت المواجهات إلى إخلاء أجزاء من ساحة الدومو، إحدى أبرز الساحات السياحية في ميلانو، وإخلاء ممر تجاري فاخر، بينما استخدمت الشرطة خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لتفريق الحشود.
وبحسب الوكالة، أُصيب عنصران من الشرطة، واقتيد نحو 50 متظاهراً إلى مقار الشرطة، بينهم عدد من القاصرين، وفق ما نقلته وكالة لابريس الإيطالية.
كما شهدت مدينة بولونيا مواجهات أخرى، استخدمت خلالها الشرطة خراطيم المياه لتفريق الحشود، وأوقفت سبعة أشخاص، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الإيطالية «أنسا».
وأدانت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أعمال العنف، مشددة على أن التظاهر حق مشروع، لكنه لا يبرر إحراق المدن أو الاعتداء على قوات الأمن والممتلكات.
من جهته، أقر رئيس بلدية ميلانو جوزيبي سالا بمشروعية أسباب الاحتجاج، لكنه رفض أعمال العنف والأضرار التي لحقت بالمدينة.
من المطالب الاجتماعية إلى المواجهة السياسية
تأتي الاحتجاجات الفرنسية والإيطالية في سياق ضغوط اقتصادية واجتماعية تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب مطالب بتحسين الأجور والخدمات العامة وظروف التعليم.
وفي فرنسا، أضافت اقتراب الانتخابات الرئاسية بُعداً سياسياً إلى المشهد، إذ تبادلت القوى الحزبية المواقف والاتهامات بشأن المسؤولية عن التصعيد، فيما شددت الحكومة على أن أعمال التخريب لن تثنيها عن تطبيق القانون.
وتعيد هذه الأحداث إلى الأذهان احتجاجات «السترات الصفراء» التي شهدتها فرنسا عامي 2018 و2019، وكذلك موجة الاحتجاجات التي اندلعت عام 2023، غير أن اختلاف الظروف والمطالب يمنع اعتبار التحركات الحالية تكراراً مطابقاً لتلك التجارب.
وفي إيطاليا، أظهرت أحداث ميلانو وبولونيا أن المطالب المرتبطة بتكاليف المعيشة يمكن أن تتزامن مع قضايا سياسية أخرى، وأن مسار الاحتجاجات قد يتغير عندما تتحول بعض التجمعات إلى مواجهات وأعمال تخريب.
ومع ذلك، لا تعني هذه التطورات وجود حركة احتجاجية أوروبية موحدة؛ فلكل دولة ظروفها السياسية والاقتصادية، وإن كانت بعض المطالب الاجتماعية تتقاطع بين أكثر من بلد.
خسائر تتجاوز المتاجر والمباني
لا تقتصر تداعيات أعمال النهب والتخريب على الأضرار المباشرة التي تلحق بالمتاجر والمباني العامة، بل تمتد إلى تعطيل النشاط التجاري والسياحي، وارتفاع تكاليف إصلاح المرافق، فضلاً عن الأعباء الأمنية والقضائية التي تتحملها الدولة.
كما يتحمل أصحاب المتاجر والمشروعات الصغيرة والعاملون فيها جانباً من الخسائر، في وقت تشكو فيه قطاعات من المجتمع من ارتفاع النفقات وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات اليومية.
وفي المقابل، فإن معالجة التوتر الاجتماعي لا تتوقف عند الإجراءات الأمنية، بل تتطلب أيضاً الاستجابة للمطالب المعيشية، وتحسين الخدمات العامة، وتعزيز الثقة بين المؤسسات والمواطنين، مع ضمان تطبيق القانون على من يثبت تورطه في الاعتداءات.
وبين شوارع باريس المتضررة ومبنى بلدية ليموج الذي اجتاحته النيران، وصولاً إلى متاجر ميلانو التي تعرضت للنهب، تبرز معادلة صعبة أمام الحكومات الأوروبية: حماية الأمن والممتلكات، دون تجاهل المطالب الاجتماعية التي دفعت المواطنين إلى النزول للشوارع.
فاحتواء الأزمة يتطلب التعامل مع وجهي المشهد معاً؛ مواجهة العنف والتخريب من جهة، ومعالجة أسباب الغضب الاقتصادي والاجتماعي من جهة أخرى.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية