جمعة بوكليب
زايد..ناقص
لم أبتعد عن الشعر. ما زلتُ، وسأظل، رفيقًا وصديقًا وفيًّا له وللشعراء. لكنني، في السنوات الأخيرة، بدأت أشعر أن صديقي الشعر يتفاداني. فهل تغير الشِعرُ، أم أنني، بتقدم العمر، تغيّرتْ ذائقتي؟
الدنيا لا تحتمل بلا شِعر وفنّ وأدب. لذلك لن تخلو من شعراء وفنانين وأدباء وعشاق. الأخيرون، أسمّيهم الأعمدة المتبقية التي تسندنا وتبقينا أحياء، وتوطّد ثقتنا بإنسانيتنا في عالم يزداد، يومًا إثر آخر، توحّشًا وماديةً.
الثورة الرقمية فتحت الأبواب أمام كل من يريد التعبير، وقرّبت الشاعر من قرّائه كما لم يحدث من قبل. غير أن المثل الشعبي يقول: «الكثرة تحرم الود»، بمعنى أن كثرة الشعراء، للأسف، حجبت عنّا أجمل الشعر.
أقرأ لشعراء شباب كثيرين على الإنترنت فلا أميّز بين واحد وآخر: لا نبرة متفرّدة، ولا جملة تُسرّع دقات القلب وتُوقف الأرض لحظة عن الدوران. كأنهم يغرفون على عجل بملاعق من قِدر واحدة. وأيًّا كان السبب، حين يستحيل على قارئ التمييز بين شاعر وآخر فليس الخطأ خطأه.
أعرف أن البدايات الشعرية تمرّ بالمحاكاة، وأن كبار الشعراء بدأوا أصداءً لمن سبقهم. فليس عيبًا أن يبدأ الشاعرُ صدى. العيبُ أن يستقر فيه.
تصادفني بين حين وآخر قصيدة لشاعر شاب فأعيد قراءتها، متذوقًا طعمًا حلوًا افتقدته. ثم أبحث عنه في قصيدة أخرى فلا أجده. أسمع بدل صوته صدى آخرين. والاستثناءات قليلة. من أتابعهم باهتمام الشاعر المهدي الحمروني، الذي ظهر فيه مبكرًا ولافتًا نزوعٌ إلى إبراز ذاتيته. وأميّز قصيدته إن قابلتني منشورة حتى من دون كتابة اسمه.
أنا لا أعني بالذاتية مجرّد أن تكون التجربة شخصية، فكثير من التجارب الشخصية تُكتب بلغة مستعارة. أعني ما تفعله اللغة بتلك التجربة حتى تصير لا تُشبه إلا صاحبها. الشعر من أشدّ الفنون ذاتية، وجِلدٌ ثانٍ ينبت من تجارب الشاعر. وعليه أن يرتدي قصيدته مطرّزة بألوان روحه، ليرى الآخرون فحوى جوهره.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية