د.عبدالله محمد أطبيقه
تُعتبر وسائل الإعلام -ولا سيما القنوات الفضائية الكبرى- الفاعل الأبرز في صياغة الوعي الجمعي وتوجيه بوصلة التعاطف الدولي والإقليمي تجاه الأزمات والحروب. وعند إمعان النظر في طبيعة التغطيات الإخبارية الموجهة لأبرز أزمتين عاصفتين في السنوات الأخيرة؛ وهما الحرب الروسية الأوكرانية والصراع المسلح في السودان، يبرز تباين صارخ في حجم المساحة, وطبيعة الخطاب، والزوايا التحريرية التي تُعرض بها الأحداث على المشاهد..
حجم التغطية وكثافة الحضور (أولوية الأجندة الإخبارية)
الحرب الروسية الأوكرانية: حظيت منذ اندلاعها بتغطية متواصلة على مدار الساعة ، مع تخصيص شاشات تفاعلية، وخرائط ثلاثية الأبعاد، واستضافات يومية لخبراء عسكريين واستراتيجيين. تصدرت الأزمة العناوين الرئيسية لفترات طويلة على حساب قضايا دولية أخرى..
الصراع في السودان: ورغم خطورته الإنسانية الهائلة ونزوح ملايين البشر، إلا أنه واجه تهميشاً إعلامياً نسبياً. انحصرت التغطية غالباً في نشرات الإخبار التقليدية أو عند وقوع مجازر كبرى، وغالباً ما كانت تتراجع لصالح أزمات أخرى، ما جعله يُصنف ضمن “النزاعات المنسية” إعلامياً..
إطارات التأطير الإعلامي وبناء التعاطف
الأزمة الأوكرانية (إطار الدفاع عن الوجود والقيم):صُوّرت الحرب في الخطاب الغربي -الذي انساقت وراءه قنوات عديدة- على أنها دفاع عن الديمقراطية، سيادة القانون الدولي، والأمن الأوروبي، واستُخدمت لغة عاطفية عالية النبرة في وصف اللاجئين الأوكرانيين، مع إبراز الجانب الإنساني الفردي (قصص العائلات والأطفال) لتحفيز التعاطف الفوري..
الأزمة السودانية (إطار الصراع على السلطة):
غلب على التغطية طابع التحليل السياسي البحت والتركيز على الصراع بين الجنرالين (الجيش وقوات الدعم السريع)، مع إرجاع الأسباب غالباً إلى تعقيدات قبلية وعرقية أزلية، تم إضفاء طابع التطبيع مع المأساة عبر تقديم الضحايا السودانيين كأرقام مجردة في تقارير النزوح والمجاعة، دون إبراز البعد الإنساني الفردي بالشكل الكافي..
الخطاب الجيوسياسي وتوظيف المصطلحات
في الحالة الأوكرانية:برز استخدام مصطلحات واضحة وحازمة مثل: “غزو غير مبرر”، “دفاع شرعي”، و”مقاومة بطلة”، وتم تسليط الضوء الفوري على تبعات الحرب الاقتصادية العالمية (أمن الغذاء، الطاقة، التضخم) من منظور يمسّ المواطن الغربي والعالمي بشكل مباشر..
في الحالة السودانية:تراوحت المصطلحات بين “اشتباكات”، “صراع على السلطة”، و”حرب جنرالين”، وهي مصطلحات تقلل أحياناً من فادحة الانتهاكات والجرائم المرتكبة ضد المدنيين، في حين غاب الربط العميق بين الأزمات الداخلية والتدخلات الإقليمية والمصالح الاقتصادية الدولية (كالذهب والموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر)، واقتصرت التغطية في كثير من الأحيان على إدانة أطراف النزاع محلياً..
دور الفضائيات العربية والمحلية
تغطية الحرب الأوكرانية: تعاملت الفضائيات العربية معها غالباً كحدث دولي، مع التركيز على تداعياتها المباشرة على أسواق القمح والنفط، وتَبنّي مواقف حيادية أو تسليط الضوء على الانفصام في المعايير الغربية مقارنةً بالقضايا العربية.
تغطية الصراع السوداني: عانت القنوات العربية والإقليمية من تباين في الولاءات والمواقف السياسية للجهات الداعمة، مما أدى أحياناً إلى انحيازات ضمنية أو تجنب الخوض في تفاصيل الجرائم الجسيمة، لتغلب لغة “الدعوات إلى وقف إطلاق النار” والوساطات الدبلوماسية على نبرة التحقيق والاستقصاء الصحفي..
يُظهر المقارنة بين الخطابين الإعلاميين أن التغطية التلفزيونية لا تقتصر على نقل الحقائق فحسب، بل تخضع لدفاتر شروط سياسية واجتماعية تحدد من يستحق التعاطف ومن يوضع في هامش الاهتمام. فبينما مُنحت الحرب الأوكرانية تغطية ملحمية تعزز مركزية الإنسان الغربي، عُامل الصراع السوداني بمنطق البيروقراطية الإخبارية الباردة، مما يضع أخلاقيات المهنة الصحفية أمام تساؤلات عميقة حول معايير العدالة الإنسانية في عالم الفضائيات..
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية