ارتفاع تكلفة المعيشة والتضخم في الولايات المتحدة الأمريكية..كذلك أسعار السكن وفوائد الرهن العقاري والإيجارات يشكل ضغطًا كبيرًا على الأسر..إضافة إلى تكلفة الرعاية الصحية والتأمين والأدوية..زد على ذلك أيضا تأثير الذكاء الاصطناعي والأتمتة على الوظائف..
لذلك إدارة ترامب تضغط على حلفاء الناتو لزيادة الإنفاق العسكري..وترى أنها تحملت لعقود جزءًا كبيرًا من العبء الأمني الأوروبي..وقد أدى هذا الضغط بالفعل إلى زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي..لأن أولوية المصالح الأمريكية أصبحت أوسع من أوروبا..وتريد اشنطن التركيز أكثر على المنافسة مع الصين..وعلى قضايا الشرق الأوسط والطاقة..إضافة إلى مصالحها الداخلية..
فالحرب في أوكرانيا غيّرت الحسابات ولا تريد امريكا أن تتحمل وحدها تكلفة الصراع إلى أجل غير محدد..ولذلك تضغط على أوروبا لتتحمل دورًا أكبر في تمويل ودعم أوكرانيا..وهنا بدأت دول أوروبية بالفعل في زيادة الإنفاق والبحث عن بدائل لبعض التقنيات والمعدات الأمريكية..
والسبب إذا كان التفاهم مع دولة منافسة يحقق هدفًا أمريكيًا في الطاقة أو التجارة أو الأمن..فهي مستعدة للتفاوض معها بدل إبقاء المواجهة مفتوحة..منها الحاجة إلى خفض التوتر مع الصين اقتصاديًا..لأن الحرب التجارية أظهرت أن الأخيرة تمتلك أوراق ضغط مهمة..خصوصا في المعادن النادرة وسلاسل التوريد..لذلك ظهرت محاولات أمريكية لتثبيت العلاقة ومنع التصعيد غير المحسوب ويرى ترامب أن استمرار أي حرب يستنزف الولايات المتحدة وحلفاءها..وقد تعلم الدرس من مواجهة إيران..وربما ينتظر طي صفحة نووي إيران وتعود الأمور إلى سابق عهدها..
فنراه يتعامل مباشرة مع موسكو للوصول إلى اتفاق..حتى عندما يسبب ذلك خلافًا مع أوكرانيا وبعض الأوروبيين..وقد ظهرت بالفعل تحولات كبيرة في السياسة الأمريكية تجاه روسيا..فالصراع مع الصين وروسيا في الوقت نفسه مكلف جدًا من منظور استراتيجي..وتحاول واشنطن منع تحولهما إلى جبهة موحدة ضدها..ولهذا فإن تخفيف التوتر مع أحدهما في ملف معين قد يساعدها على التركيز على المنافس الآخر..
لقد أصبحت أسعار الطاقة قضية سياسية داخلية مهمة في أمريكا..وهذا يفسر بعض التحركات غير المعتادة تجاه روسيا..فصفقة الديزل الأخيرة مثلًا ربطها ترامب بالحاجة إلى خفض أسعار الوقود الأمريكية..رغم الانتقادات بأنها تمنح موسكو فائدة اقتصادية..
وناتي إلى حرب الكيان الإسرائيلي مع حماس وإيران التي رفعت الإنفاق الدفاعي بصورة كبيرة..والدين العام والضغط على الموازنة..كذلك تكلفة المعيشة وأسعار العقارات والإيجارات التي تعد من أبرز الضغوط..كما أثرت الحرب في السياحة والاستثمار وسلاسل الإمداد وسوق العمل..كما أن استمرار عدم اليقين يجعل الشركات أكثر حذرًا في الاستثمار..كذلك تأثير الحروب على الصحة النفسية والحياة اليومية للسكان..
من جهة أخرى فإن الاعتماد الكبير على قطاع التكنولوجيا المتقدمة يمثل نقطة قوة هائلة للاحتلال الإسرائيلي..لذا تطرح الولايات المتحدة مفهوم إن الدول العربية الغنية يمكنها أن تصبح شريكًا اقتصاديًا مهمًا جدًا للاحتلال الإسرائيلي في التجارة السلعية والتعاون في الإستثمار والتكنولوجيا والطاقة واللوجستيات والصحة..باعتبار أن صناديق الثروة السيادية الخليجية تملك قدرات مالية ضخمة ويمكنها توفير استثمارات وشراكات ومشروعات إقليمية..كما باستطاعة دول عربية مؤثرة مثل السعودية والإمارات وقطر ومصر والأردن أن تؤدي دورًا مهمًا في الوساطة والاتصالات الإقليمية..
لكن هناك نقطة مهمة..الدول العربية الغنية نفسها ليست كتلة واحدة..بعضها لديه علاقات رسمية واقتصادية مع الكيان الإسرائيلي..بينما دول أخرى تضع شروطًا سياسية مختلفة..والسعودية مثلًا ليست طرفًا في اتفاقيات إبراهيم حتى الآن..لكن هناك سيناريو أكثر واقعية
إذا استمرت الولايات المتحدة وأوروبا في تقليل بعض أدوارهما..فقد يصبح الخليج وتركيا ومصر والأردن وشمال أفريقيا شبكة إقليمية أكثر أهمية لإسرائيل في التجارة والاستثمار والطاقة والمياه واللوجستيات والتكنولوجيا والوساطة السياسية..لتخفيف العبء على الغرب المشغول بروسيا والصين والهند وكوريا الشمالية والنمور الاسيوية..
بمعنى اقتصاد بالوكالة بحيث تكون العلاقات بين الجميع صفقة بصفقة فوق الطاولة أو تحتها..أي عقد بتوقيع المصالح المتبادلة وليس المتضاربة..قابل للتمديد أو الفسخ أكثر من كونها علاقات دبلوماسية دائمة..ويظل شعار فلسطين عربية من البحر إلى البحر حتى إشعار آخر..
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية