مع انخفاض درجات الحرارة وهطول الأمطار واشتداد الرياح الباردة، ودخول المدارس في موسم تزداد فيه المخالطة بين الأطفال، ترتفع فرص انتشار العدوى التنفسية مثل الإنفلونزا والفيروس المخلوي التنفسي وفيروسات الزكام وكوفيد-19 وتحوراتها، إلى جانب بعض الالتهابات البكتيرية التي قد تصيب الجهاز التنفسي أو تتبع بعض العدوى الفيروسية.
وقد تتزامن هذه المخاطر مع العواصف والسيول وانقطاع الكهرباء والمياه، فتتجاوز آثارها حدود المرض الفردي لتصبح قضية صحة عامة وسلامة مجتمعية واستعداد مؤسسي. ومن المهم إدراك أن البرد والمطر لا يسببان العدوى بذاتهما وإنما تنشأ العدوى عن مسببات مرضية تنتقل بطرق مختلفة ويساعد الازدحام والأماكن المغلقة سيئة التهوية على انتشار كثير من الفيروسات التنفسية.
لذلك فإن الوقاية الحقيقية لا تقوم على الملابس الثقيلة وحدها وإنما على الوعي والسلوك السليم والاستعداد المبكر وتكامل مسؤوليات الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والنظام الصحي.
تبدأ الوقاية بعادات يومية بسيطة في مقدمتها غسل اليدين بالماء والصابون، وتغطية الفم والأنف عند السعال والعطس والتخلص الآمن من المناديل، وتجنب لمس الوجه بأيد غير نظيفة، والحرص على تهوية المنازل والفصول وأماكن العمل وتقليل الازدحام في الأماكن المغلقة. وينبغي ارتداء الملابس المناسبة للطقس والمحافظة على دفء الجسم وجفاف الملابس والأحذية وتغيير المبتل منها، وتجنب التعرض الطويل للبرد الشديد، مع عناية خاصة بالرضع وكبار السن والمرضى.
ويجب أن تكون التدفئة آمنة، بعيدا عن استخدام الفحم ومواقد الاحتراق في الأماكن المغلقة لما تسببه من خطر التسمم بأول أكسيد الكربون، مع تجنب تحميل التوصيلات الكهربائية فوق طاقتها. كما أن الغذاء المتوازن والنوم الكافي وشرب السوائل وممارسة النشاط البدني المناسب تدعم الصحة العامة، لكنها لا تمنح حصانة مطلقة من العدوى، ولا تغني عن التطعيمات الموسمية الموصى بها، ولا تبرر تناول الفيتامينات أو الأدوية عشوائيا.
وعند ظهور الرشح أو التهاب الحلق أو السعال أو الحمى أو آلام العضلات، ينبغي عدم افتراض أن جميع هذه الأعراض ناتجة عن مرض واحد، لأن الفيروسات التنفسية تتشابه في مظاهرها وقد تتطور بعض الحالات إلى مضاعفات خطيرة.
والأفضل أن يبقى المصاب في المنزل ويقلل مخالطته للآخرين، وألا يعود إلى أنشطته المعتادة إلا بعد تحسن الأعراض إجمالا ومرور أربع وعشرين ساعة على الأقل دون حمى ومن دون أدوية خافضة للحرارة، مع اتخاذ احتياطات إضافية خلال الأيام الخمسة التالية، مثل تحسين التهوية وارتداء كمامة محكمة عند مخالطة الآخرين وتجنب الاقتراب من الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات. ويمكن تخفيف أعراض الحالات البسيطة بالراحة والسوائل والأدوية المناسبة للعمر والحالة الصحية، مع الالتزام بالجرعات وعدم الجمع بين مستحضرات تحتوي على المادة الدوائية نفسها.
ولا يجوز إعطاء الأطفال أدوية البالغين أو الأسبرين عند الاشتباه في الإنفلونزا، كما يُمنع إعطاء العسل للأطفال دون عمر سنة. والمضادات الحيوية لا تعالج نزلات البرد الفيروسية، ولا ينبغي استعمالها إلا بتوجيه طبي عندما توجد عدوى بكتيرية تستدعيها، في حين قد يستفيد بعض المرضى المعرضين لمضاعفات الإنفلونزا أو كوفيد-19 من العلاج المضاد للفيروسات إذا بدأ في الوقت المناسب.
وتحتاج الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات إلى اهتمام خاص، وفي مقدمتها الرضع والأطفال الصغار وكبار السن والحوامل ومرضى القلب والرئة والسكري والكلى والمصابون بضعف المناعة. ويجب مراقبة تنفس الأطفال ورضاعتهم وشربهم وتبولهم ونشاطهم، والانتباه إلى الحمى لدى الرضيع دون ثلاثة أشهر، إذ تستلزم تقييما طبيا عاجلا.
كما تستدعي صعوبة التنفس أو ازرقاق الشفتين أو ألم الصدر المستمر أو الارتباك أو التشنجات أو الجفاف الشديد أو التدهور بعد تحسن الحالة طلب الرعاية العاجلة.
وينبغي لهذه الفئات التواصل المبكر مع مقدمي الرعاية الصحية عند ظهور الأعراض، وعدم إيقاف الأدوية الأساسية أو تعديلها دون استشارة، مع ضمان حصول كبار السن وذوي الإعاقة ومحدودي الحركة على المساعدة اللازمة في التدفئة والغذاء والدواء والنقل والوصول إلى الخدمات الصحية.
وتتحمل المدارس والحضانات مسؤولية مباشرة في الحد من انتقال العدوى من خلال توفير المياه المأمونة والصابون والتهوية الجيدة وتنظيف الأسطح كثيرة اللمس وتوعية الأطفال بعادات النظافة وآداب السعال والعطس.
وينبغي عدم إرسال الطفل الذي يعاني أعراضا واضحة إلى المدرسة، وتوفير مكان مناسب له إذا ظهرت الأعراض أثناء اليوم الدراسي، مع التواصل مع أسرته والجهات الصحية عند زيادة الحالات أو ملاحظة غياب غير معتاد.
وتحتاج المدارس إلى سياسات مرنة للغياب المرضي، وإلى قرارات متناسبة مع حجم التفشي وتوصيات السلطات المختصة، بعيدا عن الإجراءات العشوائية أو المبالغة التي لا تستند إلى تقييم علمي. ولا تتوقف المخاطر الموسمية عند العدوى، فالعواصف والسيول قد تؤدي إلى الإصابات والغرق والتعرض للبرد وتلوث مياه الشرب وتعطل الطرق والخدمات الصحية. لذلك يجب تجنب عبور الطرق المغمورة بالمياه أو الاقتراب من مجاري السيول والأسلاك الكهربائية الساقطة، ومتابعة التحذيرات الرسمية، والاحتفاظ بمياه مأمونة وأدوية ضرورية ومصابيح ووسائل اتصال.
كما ينبغي عدم استخدام مياه الفيضان للشرب أو إعداد الطعام، وحماية الأغذية من التلوث، والتعامل الآمن مع المولدات ووسائل التدفئة، وتفقد الجيران الذين يعيشون بمفردهم أو يحتاجون إلى مساعدة.
إن التضامن المجتمعي في الظروف الجوية القاسية مسؤولية إنسانية قد تحمي حياة إنسان لا يستطيع طلب العون بنفسه.
ومع أهمية وعي الأفراد والأسر، فإن الوقاية لا يمكن أن تنجح إذا تُركت مسؤولية الصحة للناس وحدهم. فالدولة مطالبة بخطة موسمية متكاملة تجمع وزارات الصحة والتعليم والبيئة والحكم المحلي والجهات المعنية بالأرصاد والطوارئ، وتربط الإنذار المبكر بالرصد الوبائي والاستجابة الميدانية.
ويقتضي ذلك ضمان توافر الأدوية الأساسية والأكسجين ووسائل التشخيص ومستلزمات مكافحة العدوى، وتجهيز أقسام الطوارئ والعناية المركزة، وحماية الكوادر الصحية، واستمرار الخدمات عند انقطاع الكهرباء أو المياه أو تعطل الطرق.
كما ينبغي تعزيز الرعاية الصحية الأولية وخدمات الاستشارات والفرز المبكر، وتدريب العاملين على اكتشاف علامات الخطر وإحالة الحالات التي تحتاج إلى رعاية متخصصة، ومراقبة معدلات العدوى والغياب المدرسي ودخول المستشفيات والوفيات لاتخاذ القرارات بناء على البيانات.
وتبقى التوعية الصحية واجبا مستمرا برسائل موثوقة ومفهومة تصل إلى المدن والقرى والمناطق النائية وتصحح الشائعات وتوضح متى تكفي الرعاية المنزلية ومتى يجب طلب المساعدة الطبية.
إن توفير مياه الشرب المأمونة وصيانة شبكات الصرف وتحسين تصريف الأمطار وجمع النفايات وتأمين الكهرباء وتهيئة المؤسسات الصحية والتعليمية ليست خدمات منفصلة عن الصحة وإنما ركائز أساسية لحماية الإنسان. فالصحة العامة تبدأ قبل دخول المستشفى، من الهواء الذي نتنفسه والماء الذي نشربه والبيئة التي نعيش فيها ومن قدرة المجتمع على منع الخطر قبل أن يتحول إلى مرض أو كارثة.
ومع حلول كل موسم بارد ينبغي ألا ننتظر ارتفاع أعداد المرضى حتى نتحرك أو وقوع السيول حتى نكتشف ضعف الاستعداد أو فقدان إنسان حتى ندرك قيمة الوقاية.
إن حماية الصحة ليست مسؤولية الطبيب وحده ولا الأسرة وحدها ولا الدولة وحدها إنها عهد مشترك تتكامل فيه المعرفة والسلوك والتضامن والتخطيط والقدرة على الاستجابة.
فكل يد تُغسل في وقتها، وكل طفل يبقى في منزله حين يكون معديا، وكل مسن يجد من يطمئن عليه، وكل مدرسة توفر هواء نقيا وماء آمنا، وكل مؤسسة تستعد قبل الأزمة، قد تسهم في منع مرض أو إنقاذ حياة. **إن قيمة المجتمع ليست بما يملكه من مستشفيات وأدوية وإنما بما يستطيع أن يمنعه من ألم وما يحميه من مرض وما يصونه من أرواح والشتاء سيمضي حتما، لكن واجبنا ألا نسمح للبرد أو العدوى أو الإهمال بأن يتركوا وراءهم ألما كان يمكن تجنبه أو حياة كان يمكن إنقاذها فالصحة أمانة والوقاية مسؤولية وحياة الإنسان أغلى من أن نترك حمايتها للمصادفة.**
*حفظ الله الجميع*
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية