الصباح/ منى عريبي
عاد مشهد طوابير السيارات أمام محطات الوقود إلى عدد من مناطق جبل نفوسة، في صورة تعيد إلى الواجهة أزمة طال تكرارها، وتطرح سؤالاً يتجاوز ازدحام المحطات إلى جوهر إدارة الوقود في ليبيا: كيف يتحول الوقود إلى أزمة في بلد يعتمد اقتصاده على النفط؟
فالمشكلة بالنسبة للمواطن ليست مجرد ساعات يقضيها أمام محطة الوقود، وإنما أزمة تمتد آثارها إلى تفاصيل الحياة اليومية، من التنقل ونقل السلع، إلى تشغيل المولدات ومضخات المياه، وصولاً إلى الزراعة وتربية المواشي..
الطوابير.. نتيجة وليست المشكلة
يُطالب مواطنون وأصحاب محطات في جبل نفوسة بزيادة الكميات المخصصة للمنطقة، وضمان وصولها بصورة منتظمة، بما يتناسب مع حجم الاستهلاك الفعلي..
وتشير هذه المطالب إلى أن معالجة الازدحام لا ينبغي أن تقتصر على ضخ كميات إضافية بصورة مؤقتة، بل تحتاج إلى إعادة تقييم حصص المحطات والمناطق وفق عدد السكان وحركة المركبات والنشاط الاقتصادي والزراعي..
فالطابور أمام المحطة هو في النهاية النتيجة الظاهرة لمشكلة أوسع تتعلق بسلسلة الإمداد والتخزين والتوزيع..
حين يكون الوقود مرتبطاً بالماء والغذاء
في جبل نفوسة، كما في مناطق ريفية وزراعية أخرى، لا ينتهي أثر نقص الوقود عند السيارات..
فالوقود يشغل مضخات الآبار، ويساعد في نقل المياه والأعلاف والمنتجات الزراعية، ويدخل بصورة مباشرة في تكاليف الإنتاج الزراعي وتربية المواشي..
وبذلك، فإن استمرار أزمة الوقود يمكن أن يتحول من مشكلة نقل إلى ضغط إضافي على المياه والزراعة وأسعار الغذاء والدخل المحلي..
أين تكمن الحلقة المفقودة؟
تؤكد الجهات المختصة في أوقات مختلفة توفر مخزونات وإمدادات من الوقود، بينما تظهر في الوقت نفسه طوابير في عدد من المناطق..
وهنا تبرز ضرورة التمييز بين توفر الوقود على المستوى الوطني، ووصول الكميات المناسبة إلى المحطة المناسبة وفي الوقت المناسب..
فحتى عندما تكون الكميات متوفرة في المستودعات أو تصل شحنات جديدة إلى البلاد، يمكن أن تظهر أزمة محلية نتيجة ضعف التوزيع أو محدودية الحصة أو تأخر النقل أو ارتفاع الطلب المفاجئ..
وهذا ما يجعل الحل المستدام مرتبطاً بإدارة المنظومة كاملة، وليس بمحطات الوقود وحدها..
ما الذي يمكن أن ينهي الأزمة؟
إن وقف تكرار الطوابير يحتاج إلى إجراءات عملية، أبرزها:
– إعادة احتساب حصص الوقود:
اعتماد الحصص على بيانات فعلية تشمل عدد السكان والمركبات والمسافات الجغرافية والنشاط الزراعي والرعوي، بدلاً من الاكتفاء بحصص ثابتة..
– إنشاء مخزون احتياطي للمناطق:
تخصيص هامش آمن من الوقود للمناطق البعيدة، بحيث لا يؤدي تأخر شحنة أو تعطل الطريق إلى أزمة فورية..
– رقمنة منظومة التوزيع
ربط المستودعات وشركات التوزيع والمحطات بمنظومة إلكترونية تتيح معرفة الكميات المخصصة والمستلمة والمباعة، وتكشف الخلل في وقت مبكر..
– إعلان الكميات ومواعيد التزويد:
إتاحة معلومات واضحة للمواطنين وأصحاب المحطات بشأن وصول الشحنات وكميات التوزيع، بما يقلل الازدحام والشائعات..
– تشديد الرقابة على مسار الوقود:
من المستودع إلى محطة التوزيع، مع تتبع حركة الشحنات ومنع التسرب غير المشروع والتهريب وإعادة البيع خارج القنوات الرسمية..
– حماية الوقود المخصَّص للقطاعات الحيوية:
وضع آلية تضمن استمرار تزويد قطاعات المياه والزراعة والصحة والنقل والخدمات الأساسية، خصوصاً في المناطق التي تعتمد على المولدات والآبار..
الأهم: معالجة السبب لا الطابور
إن إرسال شحنة إضافية إلى جبل نفوسة قد يخفف الازدحام، لكنه لا يمنع تكراره..
المطلوب هو الانتقال من إدارة الأزمة بعد وقوعها إلى منع الأزمة قبل وقوعها، عبر بيانات دقيقة عن الاستهلاك، ومخزون احتياطي، وتوزيع عادل وشفاف، ورقابة إلكترونية على حركة الوقود منذ دخوله إلى البلاد حتى وصوله إلى المستهلك..
فليبيا لا تعاني فقط من سؤال: هل يوجد الوقود؟
بل من سؤال أكثر أهمية:
هل يصل الوقود بالكميات المناسبة، إلى المكان المناسب، وفي الوقت المناسب؟
وبين طابور يتجدّد وشاحنة تصل بعد انتظار، يبقى المواطن هو الطرف الذي يدفع ثمن اضطراب المنظومة، فيما تتسع آثار الأزمة لتشمل السيارة والمزرعة والماشية والبئر والسوق..
وفي بلد نفطي، لا ينبغي أن يكون الحصول على الوقود معركة يومية؛ بل خدمة منتظمة تُدار بالتخطيط والشفافية والرقابة..
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية