تقرير/ الصباح
في اليوم العالمي للقهوة، لا يحتفي العالم بمشروب يرافق الصباحات فحسب، بل يحتفي بحكاية بدأت من حبة صغيرة، قطعت آلاف الأميال، وعبرت الحقول والأسواق والثقافات، قبل أن تستقر في فنجان يجتمع حوله الناس في مختلف أنحاء العالم.
في الأول من أكتوبر، تصبح رائحة القهوة أكثر من مجرد رائحة مألوفة؛ إنها مناسبة لاستعادة قصة مشروب تحوّل عبر الزمن إلى جزء من تفاصيل الحياة اليومية، وإلى لغة صامتة للضيافة واللقاء، وإلى مصدر رزق لملايين الأشخاص الذين تبدأ قصتهم مع القهوة من الحقول ولا تنتهي عند المقاهي.
حكاية تبدأ من الأرض
قبل أن تصل القهوة إلى الفنجان، تكون قد قطعت رحلة طويلة تبدأ من شجرة البن.
هناك، في مزارع تمتد عبر مناطق مختلفة من العالم، تُزرع أشجار البن وتُرعى ثمارها حتى تنضج، ثم تبدأ رحلة الحصاد والمعالجة والتجفيف، قبل أن تنتقل الحبوب إلى مراحل الفرز والتحميص والطحن، لتصل في النهاية إلى المستهلك.
وراء هذه الرحلة يقف ملايين المزارعين والعاملين الذين يعتمدون على القهوة في معيشتهم. وتقدر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن ما يصل إلى 25 مليون مزارع وأسرهم يعتمدون على قطاع القهوة في سبل العيش.
وهكذا، فإن الفنجان الذي يبدو صغيرًا أمامنا، يحمل في داخله قصة عمل تمتد من الأرض إلى الأسواق العالمية.
فنجان صغير.. واقتصاد كبير
لم تعد القهوة مجرد محصول زراعي أو مشروب يومي؛ فقد أصبحت جزءًا من حركة تجارية عالمية واسعة.
وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن الإنتاج العالمي للقهوة تجاوز 11 مليون طن عام 2024، فيما بلغت قيمة الإنتاج نحو 25 مليار دولار، وتجاوزت قيمة التجارة العالمية للقهوة 34 مليار دولار في العام نفسه.
وتتصدر دول مثل البرازيل وفيتنام قائمة كبار المنتجين عالميًا، بينما يحظى نوعا أرابيكا وروبوستا بأوسع حضور في الأسواق.
لكن خلف هذه الأرقام، توجد حياة كاملة؛ مزارع ينتظر موسم الحصاد، وعامل يقضي ساعات في الحقول، وشحنة تعبر الحدود، ومحمصة تمنح الحبوب لونها ورائحتها، ثم مقهى يستقبل زبائنه بفنجان قد يبدو بسيطًا، لكنه يحمل وراءه سلسلة طويلة من العمل.
عندما تتحول القهوة إلى ذاكرة
ربما لا يوجد مشروب آخر استطاع أن يحتفظ بهذا الحضور في تفاصيل الحياة اليومية مثل القهوة.
فهي في بعض الأماكن طقس صباحي، وفي أماكن أخرى رمز للضيافة، وقد تكون في لحظة ثالثة ذريعة للقاء الأصدقاء أو مساحة للحديث واستعادة الذكريات.
وفي المجتمعات العربية، ارتبطت القهوة منذ زمن بعيد بالمجالس والضيافة، وأصبح تقديمها جزءًا من تقاليد اجتماعية تحمل معاني الترحيب والكرم والتقدير.
وفي ليبيا، تحضر القهوة في البيوت والمجالس واللقاءات، وترافق الأحاديث اليومية والمناسبات الاجتماعية، لتصبح جزءًا من المشهد الإنساني المعتاد؛ فالفنجان هنا لا يقدم وحده، بل يأتي غالبًا محمّلًا بالترحاب والونس والحكايات.
الأول من أكتوبر.. احتفاء يتجاوز الفنجان
ويكتسب اليوم العالمي للقهوة أهمية خاصة هذا العام، بعدما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في مارس 2026 الأول من أكتوبر يومًا دوليًا للقهوة، اعترافًا بالأهمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذا القطاع.
ويفتح هذا اليوم مساحة للتذكير بالأشخاص الذين يقفون خلف كل فنجان، خصوصًا صغار المزارعين والعاملين في مختلف مراحل سلسلة الإنتاج، إلى جانب التحديات التي تواجه القطاع، من تغير المناخ والظروف البيئية إلى تقلبات الأسعار وتكاليف الإنتاج.
وبذلك، يتحول الاحتفال من مجرد مناسبة لمحبي القهوة إلى فرصة للتأمل في الرحلة الكاملة التي تقف وراء هذا المشروب.
من المزرعة إلى المائدة
حين نرفع الفنجان، قد لا نفكر في المسافة التي قطعتها حبوب القهوة قبل أن تصل إلينا.
لكن خلف تلك الرشفة الأولى، قصة تبدأ في أرض بعيدة، وتنتقل بين أيدٍ كثيرة، وتخضع لعشرات التفاصيل قبل أن تصبح جزءًا من صباحنا.
وفي هذا اليوم، تتقاطع حكايات المزارعين مع قصص المقاهي والبيوت، وتتلاقى الثقافات حول مشروب واحد، تختلف طرق إعداده من مكان إلى آخر، لكن يبقى حضوره مشتركًا.
فالقهوة ليست مجرد مذاق؛ إنها رحلة من الأرض إلى الإنسان، ومن المحصول إلى الثقافة، ومن فنجان صغير إلى حكاية عالمية.
فنجان يجمع العالم
في النهاية، ربما تكمن سر جاذبية القهوة في بساطتها.
حبة صغيرة تحمل وراءها اقتصادًا واسعًا، وثقافات متعددة، وأيديًا كثيرة، وذكريات لا تُحصى.
ولهذا يأتي اليوم العالمي للقهوة ليقول إن وراء كل فنجان قصة تستحق أن تُروى؛ قصة مزارع بدأها من أرضه، وعامل ساهم في إتمامها، ومجتمع صنع لها تقاليده، وإنسان ينهيها برشفة هادئة في بداية يوم جديد.
فحين نحتسي القهوة، لا نشرب مشروبًا فحسب.. بل نحتسي جزءًا من حكاية العالم.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية