منصة الصباح
د.عبد الله محمد أطبيقه
الدكتور عبدالله محمد أطبيقه قسم الإعلام جامعة سرت

الإعلام الليبي في مصيدة الزمن: لماذا أصبح استبدال قانون المطبوعات ضرورة مُلحة؟

بينما يقطع العالم شوطاً هائلاً في أتمتة البيانات، وتتحكم خوارزميات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى الإعلامي، لا يزال المشهد الإعلامي في ليبيا مكبلاً بأثار تشريعية تعود لستينيات وسبعينبات القرن الماضي، يستند المنظم القانوني للصحافة والنشر في ليبيا حتى اليوم إلى قانون المطبوعات رقم “76 لسنة 1972″، وهو قانون وُضع في بيئة سياسية وإعلامية شمولية انقرضت أدواتها، ولم يطوَّر ليلائم واقع الإعلام الرقمي وحرية التعبير المعاصرة..

انتقال المشهد الليبي من الإعلام الموجَّه إلى الفضاء المفتوح بعد عام “2011”، لم يُرافقه بناء تشريعي يحمي الصحفي ويضمن حق المواطن في الوصول إلى المعلومة؛ بل أسفر عن فجوة قانونية أورثت فوضى مهنية، ووضعت الإعلاميين بين فكّي المقاضاة بقوانين سالبة للحرية أو الاستهداف في ظل غياب الحماية القانونية.

إن أبرز عيوب قانون المطبوعات “1972” أنه صُمم لإعلام القمع والمراقبة المسبقة؛ فهو يتعامل مع وسائل الإعلام بوصفها مطابع ورقية و”دور نشر” تتطلب موافقات أمنية وحكومية مشددة، هذا التشريع يتجاهل تماماً وجود:

الصحافة الرقمية والمواقع الإخبارية: التي تعمل اليوم في منطقة رمادية بلا إطار ترخيص واضح..

القنوات الفضائية والراديو الرقمي: التي تفتقر لمعايير تنظم منح التراخيص والبث بشكل مستقل..

منصات التواصل الاجتماعي وصُنَّاع المحتوى والبودكاست : الذين أضحوا جزءاً أصيلاً من المشهد الإعلامي، دون وجود معايير لمكافحة الأخبار الزائفة أو خطاب الكراهية من منظور تنظيم المهنة لا القمع..

لقد أدى الاعتماد على تشريعات متهالكة إلى نتيجتين كارثيتين على بيئة العمل الصحفي والإعلامي في ليبيا:

– انعدام الحماية القانونية للصحفيين: لا يتضمن قانون المطبوعات القديم أي بند يضمن سرية المصادر، أو يحظر التوقيف والاحتجاز بسبب الرأي، أو يكفل الحق في الحصول على المعلومات من مؤسسات الدولة..

ونتيجة لذلك، غالباً ما تُكيّف قضايا النشر تحت بند “الجرائم الجنائية” أو “الاعتداء على أمن الدولة” في قانون العقوبات..

– غياب التنظيم الذاتي للمهنة: في ظل انقسام المؤسسات، أدى غياب تشريع حديث إلى انتهاك أخلاقيات المهنة، واستفحال خطاب الكراهية، والتسييس الحزبي والجهوي للوسائل الإعلامية، دون وجود هيئة تنظيمية مستقلة تراقب الأداء وتضمن الحياد..

ما الذي نحتاجه اليوم؟

إن المطالبة ببديل لقانون المطبوعات ليست رفاهية أكاديمية، بل هي خطوة مفصلية لبناء دولة القانون واستقرار المجتمع ، ليبيا بحاجة إلى قانون إعلام عصري شامل يرتكز على المحاور التالية:

– إنشاء مجلس أعلى للإعلام: سلطة تعديل وتنظيم مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والحياد الإداري والمالي، وتُعنى بمنح التراخيص وضبط الجودة دون تدخل من السلطة التنفيذية..

– قانون حق الحصول على المعلومات: الشفافية هي أصل الإعلام؛ ولا يمكن مكافحة الفساد بدون إلزام المؤسسات الرسمية بإتاحة البيانات للصحفيين..

– إلغاء عقوبات السجن في قضايا النشر: الاستعاضة عن العقوبات السالبة للحرية بآليات مدنية تنظيمية (حق الرد، التصحيح، الغرامات المالية في حالات القذف الصريح) لحماية حرية التعبير..

– حماية البيئة الرقمية وشبكات التواصل: وضع إطار قانوني واضح للنشر الإلكتروني يفرّق بين حرية الرأي والتعبير وبين خطاب التحريض والجريمة الإلكترونية..

لا يمكن بناء تجربة ديمقراطية أو تحسين مستوى النقاش العام في ليبيا بصحافة تخاف من قلمها، أو بإعلام يُدار بقوانين صُمِّمت لخنق الصوت الحر قبل نصف قرن، إن إصلاح القطاع الإعلامي يبدأ من إقرار قانون إعلام حديث يستجيب للتطور التقني، ويصون كرامة الصحفي، ويضمن للمواطن الليبي حقه الأساسي في معرفة الحقيقة..

د/ عبدالله محمد أطبيقه

قسم الإعلام جامعة سرت

شاهد أيضاً

عمر المختار والدرس الذي نسيناه

طارق بريدعة في يوم الشهيد، نستعيد سيرة عمر المختار ورفاقه لا باعتبارها صفحة من الماضي، …