منصة الصباح
المبنى التاريخي لمقر مصرف ليبيا المركزي في العاصمة طرابلس وتظهر أمامه السيارات والأشجار.
مصرف ليبيا المركزي يعيد نشر بيان الإيراد والإنفاق وسط قراءة تحليلية للمؤشرات المالية( مصدر الصورة/ مواقع التواصل)

بيان المركزي: الوضع ليس «كارثياً».. والأزمة في إدارة الموارد لا في غيابها

تقرير/ آية زايد

أعاد مصرف ليبيا المركزي نشر بيان الإيراد والإنفاق عن الفترة من يناير إلى أغسطس 2026، بعد توقف دام نحو ستة أشهر منذ فبراير الماضي، دون توضيح أسباب توقف نشر البيانات، أو تحديد ما إذا كان البيان سيعود إلى الصدور بصورة شهرية أو سيصدر وفق دورية مختلفة..

ويرى المحلل الاقتصادي “أحمد الشحاتي”، أن البيان يمثل خطوة مهمة في اتجاه الإفصاح والشفافية، لكنه في الوقت نفسه يترك عدداً من التساؤلات الفنية والمحاسبية دون إجابات، أبرزها مدى نهائية الأرقام المنشورة، وطبيعة التنسيق بين مصرف ليبيا المركزي ووزارة المالية وبقية المؤسسات الحكومية، وما إذا كانت أرقام الإنفاق تمثل إنفاقاً فعلياً ونهائياً أم مجرد مسحوبات واعتمادات على حساب الدولة..

عجز خارجي بنحو “4.9” مليار دولار

ويشير “الشحاتي” إلى أن أبرز المؤشرات السلبية في البيان يتمثل في العجز الخارجي، حيث بلغت الإيرادات بالعملة الصعبة نحو 15.2 مليار دولار مقابل إنفاق بلغ حوالي 20.1 مليار دولار، بعجز يقارب 4.9 مليار دولار..

وبحسب قراءة “الشحاتي”، فإن أهمية هذا الرقم تخف نسبياً مع توضيح المصرف المركزي أن العجز تمت تغطيته من عوائد استثماراته، بما يعني، وفق ما يظهر من البيان، عدم الاعتماد بصورة كبيرة على الاقتراض الخارجي أو السحب المباشر المكثف من الاحتياطيات لتغطية العجز..

كما تراجع الاحتياطي الأجنبي من نحو 99.4 مليار دولار إلى 96 مليار دولار، إلا أن “الشحاتي” يرى أن هذا الانخفاض لا ينبغي تفسيره تلقائياً باعتباره سحباً مباشراً من الاحتياطي، إذ يمكن أن تتأثر قيمة الاحتياطيات أيضاً بإعادة تقييم الأصول والعملات..

دعم الدينار.. واستمرار الضغوط

ويعتبر “الشحاتي” أن السياسة التي اتبعها مصرف ليبيا المركزي، والمتمثلة في استخدام جزء من الاحتياطي وتعويضه بعوائد الاستثمارات، ربما ساهمت في الحد من تراجع الدينار بصورة أكبر في السوق الموازية..

ويقول إن هذا يمثل «خبراً جيداً» من زاوية الحفاظ على استقرار نسبي لسعر الصرف، لكنه لا يلغي «الخبر السيئ» المتمثل في استمرار الضغوط على الدينار وارتفاع الطلب على العملة الأجنبية..

ويربط “الشحاتي” استمرار الطلب القوي على الدولار بعوامل نقدية واقتصادية، من بينها ارتفاع العائد على الدولار مقارنة بالعائد المتاح على الدينار، الأمر الذي يجعل امتصاص أو تعقيم السيولة المحلية أكثر صعوبة، ويعزز الميل إلى الاحتفاظ بالعملة الأجنبية..

انخفاض الإيرادات النفطية.. أم اختلاف في طريقة الحساب؟

ويحذر “الشحاتي” من المقارنة المباشرة بين عائدات النفط في الأشهر الثمانية الأولى من عامي “2025 و2026” دون مراعاة الاختلاف في طريقة عرض ومعالجة الأرقام..

فقد أظهر بيان عام 2025 عائدات نفطية بنحو 15.8 مليار دولار، مقابل نحو 15.1 مليار دولار في الفترة نفسها من 2026، بما يوحي ظاهرياً بانخفاض يقارب 700 مليون دولار..

إلا أن “الشحاتي” يوضح أن طريقة احتساب قيمة المحروقات اختلفت بين الفترتين؛ ففي 2025 كانت عائدات مبيعات النفط تحول بالكامل إلى مصرف ليبيا المركزي، ثم تظهر تكلفة المحروقات في جانب آخر من جدول الإيرادات والإنفاق، بينما يجري في 2026 خصم قيمة المحروقات قبل تحويل صافي قيمة المبيعات إلى المصرف المركزي..

وبالتالي، فإن المقارنة المباشرة بين الرقمين قد تكون مضللة ما لم يتم توحيد الأساس المحاسبي..

وبحسب هذه القراءة، فإن صافي قيمة المبيعات النفطية في 2025 يقترب من 12 مليار دولار بعد احتساب قيمة المحروقات بالطريقة نفسها، ما يعني أن صافي الإيرادات النفطية في 2026 سجل زيادة تقترب من 3 مليارات دولار.

ويرى الشحاتي أن ارتفاع أسعار النفط يمثل عاملاً إيجابياً مهماً لليبيا، لكنه يشير في المقابل إلى ارتفاع تكلفة المحروقات، ولا سيما الديزل، بمعدلات مرتفعة، وهو ما حدّ من الزيادة المحتملة في صافي الإيرادات..

نحو 21 مليار دولار صافي دخل نفطي محتمل

ويرجح “الشحاتي” أنه في حال استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة خلال بقية العام، فقد تقترب ليبيا من تحقيق صافي دخل نفطي سنوي يبلغ نحو 21 مليار دولار بعد استقطاع قيمة المحروقات..

ويؤكد أن هذا الرقم يمثل مورداً مهماً يمكن أن يتيح للدولة تحقيق فائض مالي، شريطة إدارة السيولة وسعر الصرف والإنفاق العام بصورة أكثر انضباطاً..

الفائض المحلي.. هل هو فائض حقيقي؟

ويطرح “الشحاتي” تساؤلاً مهماً حول الفائض المحلي الظاهر في البيانات، موضحاً أن أرقام المسحوبات لا تعني بالضرورة أن الأموال أنفقت فعلياً خلال الفترة نفسها..

ويستشهد بما حدث في عام 2025، عندما بلغ الإنفاق التنموي في فترة من العام نحو 403 ملايين دينار، قبل أن تقفز المسحوبات في ديسمبر إلى نحو 20 مليار دينار..

ويرى أن من الصعب اعتبار كامل هذا الارتفاع إنفاقاً اقتصادياً نهائياً تم خلال فترة قصيرة، مرجحاً أن يكون جزء منه عبارة عن مسحوبات أو اعتمادات تم توفيرها مسبقاً، على أن يتم الإنفاق الفعلي لاحقاً..

ويشدد على أن التمييز بين المسحوبات والإنفاق الفعلي مسألة أساسية لفهم تأثير الإنفاق الحكومي على السيولة وسوق الصرف، لأن تسجيل مبلغ تحت بند الإنفاق لا يعني بالضرورة أنه تحول بالكامل إلى إنفاق اقتصادي نهائي..

الأزمة حقيقية.. لكنها ليست «كارثية»

ويخلص المحلل الاقتصادي “أحمد الشحاتي”، إلى أن بيان مصرف ليبيا المركزي لا يبرر وصف الاقتصاد الليبي بأنه «كارثي»، كما أنه لا يمثل دليلاً على أن الاقتصاد أصبح مستقراً أو سليماً..

ويؤكد أن ليبيا تواجه أزمة اقتصادية حقيقية، مرتبطة بضعف إدارة السياسة المالية والنقدية، وضبابية المستقبل، والضغوط على سعر الصرف والتضخم، لكن المشكلة الأساسية لا تكمن في انعدام الموارد..

ويرى أن المورد الاقتصادي الليبي ما زال فعالاً، وأن ارتفاع أسعار النفط يوفر مساحة للمناورة، إلا أن الاستفادة من هذه الموارد تتطلب إدارة أفضل للسيولة والإنفاق وسعر الصرف، إلى جانب مزيد من الوضوح في البيانات الرسمية..

ويُحذّر من إصدار أحكام واسعة استناداً إلى أرقام منفردة، مؤكداً أن الرقم المحاسبي قد يكون صحيحاً في ذاته، لكن مقارنته برقم آخر محسوب وفق أساس مختلف قد يؤدي إلى استنتاج اقتصادي خاطئ..

شاهد أيضاً

تجار طرابلس بين متطلبات الاستيراد وتحديات التمويل.

تقرير ..منى عريبي  أثار قرار وزارة الاقتصاد والتجارة رقم 449 لسنة 2026، بشأن حظر توريد …