من الشلال الذي هدر في دروب درنة بالجمال، إلى الشاطئ الذي حمل شجن الشرق الليبي نحو المدى العربي، ينساب اسم الفنان القدير الراحل سالم بن زابية كأحد أعذب الينابيع في تاريخ الموسيقى والجامع بين بين سحر النغم وحكمة الكلمة ، لم يكن بن زابية مجرد مطرب يمتلك حنجرة دافئة بل كان ظاهرة ثقافية شاملة يعزف على أكثر من آلة ويصوغ مقالات الصحافة، ويقف على خشبات المسرح، ويشرف على الفرقة والتحكيم والمهرجان، حاملا في قلبه ترانيم البادية و الحان المدينة وروعة الموال الليبي الأصيل.
بداية مع الترتيل والتعدد الموهبي
شهدت مدينة درنة ولادة هذا المبدع في الثامن والعشرين من ديسمبر عام 1942 وهناك، في كنف كتاتيبها ومساجدها، صقل حنجرته الأولى على تلاوة القرآن الكريم وتجويده، ليمنح صوته ذلك المدى الرخيم والتنفس الممتد الذي صار لاحقاً توقيعه الخاص في غناء الموال ولم تكن الثانوية العامة التي نالها عام 1960 مجرد مؤهل دراسي في زمن مبكر، بل كانت بوابته للانخراط في العمل الإداري بقطاع الخزانة بمدينة البيضاء، دون أن يبعده الموظف عن المبدع الساكن في وجدانه.تجلى شغفه بالفنون مبكراً منذ مطلع الخمسينيات؛ حيث ولج عوالم التمثيل والتنكر، وشارك في صحيفة “الاتحاد” بنادي الأفريقي، قبل أن يقتني له رفيق دربه وابن عمه الراحل خليفة بن زابية آلة “الأكورديون”، لتكون فاتحة عهده بالمعزوفات، ويتلوها تمكنه الاستثنائي من آلات العود، والشرقي الساحر القانون، والأورج، متوجاً نسق موهبته المتعددة بالاشتراك في تأسيس صحيفة “الشلال” بدرنة.
صانع النهضة الشعبية وأغاني الخلود
حين تأسست فرقة درنة للفنون الشعبية، كان سالم بن زابية في طليعة نواتها الأولى، وتولى إدارتها بين عامي 1970 و1977، ليصوغ مع رفاقه مرحلة ذهبية في إحياء التراث وتطويره ومع أول ظهور تلفزيوني له عام 1970 بأغنيته الشهيرة “دارن لنظار جديد توا”، تدفقت أعماله لتغمر الإذاعات والشاشات الليبية والعربية.أنشد للحب والأرض والوفاء أغانٍ أصبحت وثائق وجدانية في الذاكرة الليبية؛ مثل “كامي صوب”، “في غيتك لاموني”، “أنت تبر”، “يعشم فيك”، “فرح عزيز”، و”ما تغالط نفسك”. ولم يقف عند الغناء الفردي، بل كان ركناً أساسياً في الملحمة الفنية الكبرى “رحلة نغم” عام 1977، التي أعدها ولحنها الموسيقار محمد حسن وكتبها الشاعر فضل المبروك، ليقف مجاوراً لعمالقة الفن الليبي كوشم لا يُمحى في سجل الأوبيريت العربي.
المعلم والأثر الخالد
توزع عطاؤه على الشاشات ممثلاً في أعمال درامية مثل “اليتيمة” و”الأم”، وامتدت يده بالرعاية للأجيال الصاعدة، حيث تتلمذ على يديه قامات فنية برزت في الساحة كالفنان مصطفى البتير. كما حظي بتقدير مؤسسي رفيع، فترأس فخرياً المهرجان الأول لشعر الأغنية الليبية، وشارك في لجان تحكيم مهرجانات المواهب من سبها وغريان إلى شحات والبيضاء، وحصد خلال مسيرته الحافلة أكثر من 750 شهادة تقدير.في الثامن والعشرين من أغسطس عام 2013، ترجل الفارس عن عمر يناهز 71 عاماً، تاركاً في درنة وحفاوة الشلال حزناً نبيلاً، وفي المكتبة الفنية ثراءً لا يبلى. رحل سالم بن زابية، لكن مواله لا يزال يتردد بين الجبال والشواطئ، شاهداً على زمن الجمال والرقي الموسيقي.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية