بقلم / زملاء وتلاميذ الاستاذة
ليست كل قصص التقاعد متشابهة، فبعضها يحمل خصوصية لا تتكرر إلا نادرًا. ومن بين هذه القصص، تبرز رحلة المعلمة الفاضلة سالمة باعور، التي ارتبطت بمدرسة أبوبكر الصديق للتعليم الأساسي بمدينة الخمس ارتباطًا تجاوز حدود الوظيفة، ليصبح حكاية عمر كاملة.
في هذه المدرسة، كانت الطفلة سالمة تجلس على أحد المقاعد الدراسية، تحمل حقيبتها الصغيرة وأحلامها الكبيرة، تتلقى أول دروس القراءة والكتابة، وتخطو أولى خطواتها نحو المستقبل، دون أن تعلم أن القدر سيكتب لها أن تعود إلى المكان نفسه بعد سنوات، ولكن هذه المرة واقفة أمام السبورة، تحمل رسالة التعليم، وتغرس العلم والقيم في نفوس أجيال متعاقبة.
بعد إنهاء دراستها، التحقت بمعهد المعلمات، لتتسلح بالعلم والتأهيل، ثم عادت إلى مدرستها التي احتضنت طفولتها، وبدأت منذ عام 1982 رحلة طويلة من العطاء، لم تكن خلالها مجرد معلمة تؤدي واجبها، بل كانت أمًا تربوية، ومربية للأخلاق قبل أن تكون ناقلةً للمعرفة.
سنوات طويلة مرت داخل الممرات نفسها، وبين الفصول ذاتها، وهي ترى وجوهًا تغادر ووجوهًا تأتي، وأجيالًا تكبر، وأطفالًا أصبحوا اليوم آباءً وأمهات، وربما عاد بعض أبنائهم ليجلسوا في الفصول نفسها التي وقفت هي فيها معلمة.
لقد تغيّرت المناهج، وتعاقبت الإدارات، وتبدلت الوجوه، لكن شيئًا واحدًا ظل ثابتًا؛ حضور المعلمة سالمة باعور بابتسامتها الهادئة، وإخلاصها الذي لم يعرف التراجع، وإيمانها بأن بناء الإنسان يبدأ من داخل الفصل الدراسي.
وفي شهر يونيو، طوت آخر صفحة من رحلتها المهنية، وغادرت المدرسة بعد أن انتهت سنوات الخدمة الرسمية. لكنها لم تغادر المكان الحقيقي الذي صنعته لنفسها؛ مكانتها في قلوب زميلاتها وزملائها، وفي ذاكرة كل تلميذ وتلميذة مروا من بين يديها.
إنها لحظة تختلط فيها مشاعر الفخر بالحنين؛ فليس من السهل أن يودع الإنسان جدرانًا عاش بينها منذ طفولته، ثم عاد إليها معلمًا، وقضى فيها أجمل سنوات عمره. إنها علاقة امتدت لعقود، صنعتها الأيام، ورسختها الذكريات، وباركتها رسالة التعليم.
وإذا كانت رحلة العمل قد انتهت، فإن أثر المعلمة لا ينتهي. فالمعلم الصادق يظل حاضرًا في كل كلمة علم، وفي كل قيمة غرسها، وفي كل نجاح ساهم في صناعته، ولو بعد سنوات طويلة.
تحية تقدير ووفاء للمعلمة الفاضلة سالمة باعور، التي قدمت نموذجًا مشرفًا للمعلم المخلص، وجعلت من مدرسة أبوبكر الصديق بيتًا احتضن طفولتها، ثم شهد على عطائها، وودعها بكل ما يحمله المكان من امتنان ومحبة.
شكرًا لكِ… لأن الرسالة التي أديتها بإخلاص ستبقى، ولأن الأثر الجميل لا يتقاعد أبدًا.ططط
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية