حين يُطرح ملف الهجرة في بلادنا، ينصرف الحديث غالبًا إلى حقوق المهاجر غير القانوني ومعاناته الإنسانية، وهي معاناة حقيقية لا يجوز إنكارها أو التقليل منها. لكن العدالة لا تكتمل إذا نظرنا إلى الملف بعين واحدة فقط، أو حصرنا حقوق الإنسان وفق منظور ومصلحة فئة واحدة.
الهجرة سلوك فطري لا يمكن مكافحته أو القضاء عليه، والصحيح هو معالجة العوامل وتسوية الظروف المسببة له، كما أن حرية التنقل من الحقوق التي أقرها القانون الدولي، غير أن الدخول إلى دولة أخرى والإقامة فيها يظلان خاضعين لقوانين تلك الدولة، والمشكلة تتمثل في عدم سعي المهاجر لتسوية إقامته وفق قوانين الدولة التي هاجر إليها سواء اعتبرها وجهة نهائية أو محطة عبور، وكذلك في تعمّده البقاء في وضع غير قانوني، أو بعد انتهاء مدة إقامته القانونية، والأمر هنا لم يعد متعلقًا بحقوقه وحده، بل بحقوق الآخرين أيضًا، لأن الحق ليس مطلقًا، ولا يجوز التعسف في استعماله، فالإضرار بحقوق الآخرين يعد مخالفة للقانون أصلًا.
تسهم الهجرة غير القانونية، في ظل ضعف الرقابة وتطبيق القانون، في تقليص فرص العمل، وزيادة الضغط على الخدمات العامة التي تمولها الدولة من أموال مواطنيها، وفي التأثير على سوق الإيجارات وأسعار السكن والمواصلات والخدمات، حتى أن المهاجر القانوني نفسه يتضرر؛ فهو يتحمل تكاليف الإقامة والرسوم والضرائب ويلتزم بالقانون، بينما ينافسه في سوق العمل من لا يتحمل تلك الأعباء، فتنشأ منافسة غير متكافئة تخل بالأجور وشروط العمل وتؤثر في الأسعار وجودة الخدمات، وهكذا تتحول المخالفة من شأن فردي إلى عامل يخل بمبدأ تكافؤ الفرص بين المهاجرين أنفسهم.
إن حقوق الإنسان ليست حقوق طرف واحد، بل منظومة متوازنة من الحقوق والواجبات. والدفاع عن حقوق الإنسان لا يعني تجاهل آثار الهجرة غير القانونية على المجتمع المضيف، كما أن الحديث عن السيادة والقانون لا يعني التنكر لإنسانية المهاجر أو معاناته. فالعدالة تقتضي أن نرى جميع الأطراف، ومن الظلم أن نطالب المجتمع بأن يراعي معاناة المهاجر، ثم نرفض أن نراعي معاناة المجتمع المضيف أو معاناة المهاجر الذي احترم القانون والتزم به. وملف الهجرة بالكامل لا يستقيم بعين واحدة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية