خلود الفلاح
تخوض الروائية الليبية دارين حسين المهدوي (1993) تجربة جديدة في المشهد الأدبي الليبي، مراهنة على أدب الغموض والجريمة والتحليل النفسي كرباط وثيق يجمع بين التشويق وسبر أغوار الذات البشرية. فمنذ بدايات شغفها المبكر بالكتابة، أدركت المهدوي أن أدب الرعب لم يعد مجرد أداة لإثارة الخوف، بل بات مساحة بصرية وفكرية تضيء الجوانب المظلمة من الشخصية، وتطرح أسئلة عميقة حول الخوف، والذاكرة، والمجهول.
في هذا الحوار، تأخذنا صاحبة روايتي “جزيرة إيليت” و”المليار الذهبي” في رحلة خلف كواليس مشروعها الروائي، لنكتشف كيف تحول المكان إلى بطل محرك للأحداث، وكيف يبحر القارئ معها كشريك فعلي في حل الألغاز وفك الشفرات، وصولاً إلى بحثها في الصراع الأبدي بين الإنسان ومخاوفه.
حدود الخيال
تنطلق دارين حسين في مشروعها الروائي، الذي أسسته عبر روايتين حتى الآن، من “الرعب والغموض” وتلفت إلى أن أدب الرعب في الرواية الليبية يتشكل بوعي جديد، فالقارئ الليبي والعربي لديه شغف طبيعي بالقصص التي تجمع بين التشويق والتحليل النفسي وكشف الأسرار. هذا النوع لم يعد يعتمد فقط على عنصر الخوف، بل أصبح مساحة لمناقشة قضايا الإنسان الداخلية، مثل الصراعات النفسية، والذكريات، والمخاوف، والجانب المظلم من الشخصية البشرية. وتستطرد: “أعتقد أن التجارب القادمة ستشهد تنوعاً أكبر في هذا المجال، خاصة مع ظهور جيل جديد من الكُتّاب الذين يمتلكون خيالاً واسعاً وقدرة على توظيف البيئة المحلية في بناء عوالم روائية مختلفة”.

القارئ الذي يبحر إلى “جزيرة إيليت” أو يبحث في أسرار “المليار الذهبي” هو قارئ يبحث عن فك الشفرات. وهنا نسألها حول أبرز ردود الأفعال التي جعلت القارئ يلتقط تفصيلاً مخفياً لم تتوقع أن ينتبه إليه أحد، فتقول “من أجمل ردود الأفعال كانت عندما بدأ بعض القراء في تحليل الرموز والإشارات الصغيرة داخل الرواية وايضا احببت كثيرا أن هناك من خارج ليبيا قرأها وربط الأحداث ببعضها، خاصة التفاصيل التي وضعتها كإشارات مبكرة دون أن تكون واضحة بشكل مباشر”.
وأضافت: أكثر ما أسعدني هو أن القارئ لم يكتفِ بمتابعة الأحداث، بل أصبح شريكاً في البحث عن الحقيقة، وهذا هو جوهر روايات الغموض؛ أن يشعر القارئ بأنه يخوض التجربة بنفسه. واغلب من قرأ رواياتي أخبرني بأنه تخيلها كشريط سينمائي امامه.
الجزيرة شخصية حية
رواياتك تعتمد على صراعات نفسية إلى جانب الغموض الخارجي. عند كتابة “المليار الذهبي” و”جزيرة إيليت”، هل تولد الشخصية عندكِ بمخاوفها وعقدها أولاً؟ وهنا توضح: غالباً ما تبدأ الشخصية لدي من الداخل قبل الخارج؛ أبدأ بفهم دوافعها، ومخاوفها، ونقاط ضعفها، لأنني أؤمن أن الرعب الحقيقي لا يأتي فقط من الأحداث المخيفة، بل من أعماق الإنسان نفسه. عندما تكون الشخصية تحمل صراعاً نفسياً حقيقياً، تصبح أكثر قرباً من القارئ، ويصبح الغموض حولها أكثر تأثيراً.
وتتابع: “جذبني هذا العالم لأنه يمنح الكاتب مساحة واسعة لاختبار حدود الخيال، والبحث في الجوانب الخفية من النفس البشرية. لطالما أثارتني الأسئلة التي لا تملك إجابات سهلة: ماذا يحدث خلف الأبواب المغلقة؟ وكيف يمكن للخوف أو السر أن يغير شخصية الإنسان؟ الكتابة في هذا المجال بالنسبة لي ليست مجرد صناعة للخوف، بل محاولة لفهم الإنسان عندما يواجه المجهول”.

المكان في “جزيرة إيليت” ليس مجرد خلفية للأحداث، بل هو بطل يتحكم في مصائر الشخصيات. لماذا اخترتِ صيغة “”الجزيرة المعزولة” لتدشين عالم الرعب والغموض لديكِ؟ فكان ردها: اخترت الجزيرة المعزولة لأنها تمنح الرواية إحساساً بالعزلة والانفصال عن العالم الخارجي، وهي بيئة مثالية لظهور الأسرار وتصاعد التوتر. الجزيرة تصبح كأنها شخصية حية تحمل تاريخها وألغازها، وتؤثر في قرارات الشخصيات ومصائرها. كما أن العزلة تجعل القارئ يشعر بأنه محاصر مع الأبطال داخل عالم لا يعرف قوانينه كاملة. وجزيرة إيليت استوحيتها من البستان البوهيمي ووضعت في الجزيرة اسرار يجب ان تكتشفها بقراءة الرواية.
صراع البشر والشيطان
وتتحدث دارين المهدوي عن روايتها “المليار الذهبي” وكيف أن الصراع حول مستقبل البشرية يجعل البقاء امتيازاً لا حقاً للجميع. العنوان يحمل في داخله سؤالاً مخيفاً: ماذا لو أصبح العالم أمام معادلة يكون فيها نجاة فئة قليلة على حساب فناء الأغلبية؟
ويعني ذلك، بحسب دارين المهدوي، أن الرواية تنطلق من تصور كارثي تتعرض فيه البشرية لخطر يؤدي إلى موت ثلثي سكان العالم، وتطرح تساؤلات حول قيمة الإنسان، وحدود العلم، والطمع، ومحاولات السيطرة على مصير البشرية. رواية “المليار الذهبي” ليس مجرد رقم، بل رمز لفكرة الاختيار القاسي بين من يُسمح له بالبقاء ومن يُحكم عليه بالمصير المجهول.
وتضيف: “من أحد عشر عاماً وانا ابحث واقرأ عن مخططات ومؤامرات تحاك في الخفاء ضد البشرية للقضاء على نصف سكان العالم بالحروب والامراض والكوارث الطبيعية للتخلص منهم والبقاء على حياة مليار واحد فقط رواية المليار الذهبي تعكس الصراع الحقيقي بين البشر والشيطان”.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية