منصة الصباح
مجدي الشبعاني
مجدي الشبعاني

هل آن الأوان لإعادة النظر في فلسفة امتحانات الشهادات العامة؟

أثارت امتحانات الشهادة الثانوية هذا العام، ولا سيما في مواد مثل الرياضيات والفيزياء، نقاشًا واسعًا بين الطلبة وأولياء الأمور والمعلمين، بعدما رأى كثيرون أن بعض الأسئلة جاءت أعلى من المستوى المتوقع أو لم تعكس الواقع التعليمي الذي تعيشه مختلف المدارس الليبية.
غير أنني أعتقد أن المشكلة لا تكمن في امتحان بعينه، ولا في مادة محددة، وإنما في فلسفة التقويم التعليمي التي ما زلنا نعتمدها منذ عقود، حتى أصبح امتحان واحد يمتد لساعات قليلة هو الذي يقرر مستقبل طالب قضى اثني عشر عامًا في الدراسة.
إن العدالة التعليمية لا تبدأ يوم الامتحان، وإنما تبدأ من اليوم الأول للدراسة. فمن غير المنطقي أن نتوقع نتائج متكافئة بين طلبة تلقوا فرصًا تعليمية مختلفة بصورة كبيرة. فهناك مدارس استقرت فيها الدراسة منذ بداية العام، وتوفرت فيها الكوادر المؤهلة والمعامل والوسائل التعليمية، واستُكمل فيها المنهج وفق الخطة المقررة. وفي المقابل، توجد مدارس عانت نقصًا في المعلمين، أو تأخرًا في الدراسة، أو ضعفًا في الإمكانات، أو ظروفًا استثنائية أثرت في سير العملية التعليمية.
وفي ظل هذا التفاوت، يصبح الامتحان الموحد كاشفًا لاختلاف الفرص أكثر من كونه صانعًا للعدالة. فالعدالة لا تتحقق بمجرد توحيد ورقة الأسئلة، وإنما تتحقق أولًا بتقارب فرص التعلم وجودة التعليم.
وهذا لا يعني الدعوة إلى اختلاف مستوى الامتحانات بين المناطق أو المدارس، لأن الشهادة العامة يجب أن تظل موحدة وتحافظ على قيمتها الوطنية ومبدأ تكافؤ الفرص بين جميع الطلبة. لكن المطلوب هو أن تُبنى الامتحانات وفق معايير علمية دقيقة في القياس والتقويم، بحيث تقيس الحد الأدنى من الكفايات التي يُفترض أن جميع الطلبة قد اكتسبوها، مع تخصيص نسبة محدودة من الأسئلة لتمييز مستويات التفوق، دون أن تتحول ورقة الامتحان إلى اختبار للنخبة وحدها.
كما أن وزارة التربية والتعليم تمتلك من البيانات والمؤشرات ما يكفي لتقييم أداء المدارس، ونسب استكمال المناهج، ومستويات التحصيل، وهو ما ينبغي أن ينعكس في تطوير المناهج، وتأهيل المعلمين، وتحسين البيئة التعليمية، قبل أن ينعكس في تشديد مستوى الامتحانات.
غير أن القضية الأعمق تتمثل في سؤال آخر: هل ينبغي أن يبقى امتحان الشهادة العامة هو المعيار الوحيد الذي يرسم مستقبل الطالب؟
لقد اتجهت نظم تعليمية عديدة إلى تقليل الاعتماد على الامتحان النهائي بوصفه الفيصل الوحيد، وأصبحت تعتمد منظومات تقييم أكثر تنوعًا تجمع بين الأداء الدراسي المستمر، والمهارات، واختبارات القبول في بعض التخصصات التنافسية. فبدل أن يحمل امتحان واحد عبء تحديد مصير جميع الطلبة، أصبحت الجامعات في كثير من الدول تملك أدوات إضافية لاختيار الأكثر استعدادًا للدراسة في التخصصات الدقيقة، كالطب والهندسة وغيرها.
ولعل التجارب المقارنة تؤكد أنه لا يوجد نموذج واحد صالح لجميع الدول، لكن القاسم المشترك بينها هو عدم الاكتفاء بامتحان نهائي واحد لتحديد مستقبل الطالب.
ففي الولايات المتحدة الأمريكية لا توجد شهادة وطنية موحدة تحدد قبول جميع الطلبة في الجامعات، وإنما تعتمد الجامعات على مجموعة من المعايير، مثل المعدل الدراسي خلال سنوات الدراسة، والأنشطة، والإنجازات، وقد تطلب بعض الجامعات اختبارات قبول أو متطلبات إضافية بحسب التخصص.
وفي فنلندا، التي تُعد من أكثر الدول تميزًا في التعليم، يركز النظام التعليمي على جودة التعلم والتقويم المستمر خلال سنوات الدراسة، مع وجود امتحان في نهاية المرحلة الثانوية، إلا أنه لا يُنظر إليه بوصفه الأداة الوحيدة لتقييم الطالب.
أما في المملكة المتحدة، فيخضع الطلبة لامتحانات وطنية في نهاية المرحلة الثانوية، غير أن الالتحاق بالجامعات يعتمد كذلك على متطلبات وشروط تختلف باختلاف الجامعة والتخصص، وبعض البرامج الأكاديمية تتطلب مقابلات شخصية أو اختبارات إضافية.
وفي عدد من الدول الآسيوية، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، تُعد اختبارات القبول الجامعي من أكثر الاختبارات تنافسية، لكنها تأتي بعد مسار تعليمي منظم، وتستند إلى بيئة تعليمية أكثر تجانسًا من حيث المناهج والإمكانات، وهو ما يجعل المقارنة مع البيئات التي تعاني تفاوتًا كبيرًا في فرص التعليم بحاجة إلى قدر من الحذر.
هذه النماذج، رغم اختلافها، تتفق على مبدأ جوهري، وهو أن نجاح الطالب لا ينبغي أن يُختزل في ورقة امتحان واحدة، وأن جودة التعليم تُقاس بقدرة النظام على بناء المعرفة والمهارات، لا بمجرد ترتيب الطلبة وفق درجات امتحان نهائي.
ولا يعني ذلك إلغاء الامتحانات العامة، وإنما إعادة النظر في دورها، بحيث تصبح جزءًا من منظومة تقويم متكاملة، لا الأداة الوحيدة للحكم على قدرات الطالب ومستقبله.
إن الواقع يكشف أن كثيرًا من الطلبة، بمجرد انتهاء الامتحانات، ينسون معظم ما درسوه، لأن غاية التعلم أصبحت اجتياز الاختبار، لا اكتساب المعرفة. وهذه إحدى أبرز الإشكالات التي تشير إليها أدبيات القياس والتقويم الحديثة، والتي تؤكد أن الامتحان الواحد لا يستطيع قياس جميع جوانب التعلم من فهم وتحليل وإبداع وتفكير نقدي.
لقد تحولت المدرسة، في كثير من الأحيان، إلى مؤسسة لإعداد الطلبة للامتحان، بدل أن تكون مؤسسة لبناء الإنسان وتنمية قدراته. وأصبح النجاح يُقاس بعدد الدرجات، لا بما اكتسبه الطالب من علم ومهارات وقيم.
ومن هنا، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الجدل حول صعوبة سؤال أو سهولته، ولا من الدفاع عن واضع الامتحان أو مهاجمته، وإنما يبدأ من إعادة تعريف الغاية من التعليم ذاته. فالسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: هل كان الامتحان صعبًا أم سهلًا؟ وإنما: هل نجح نظامنا التعليمي في صناعة متعلم يمتلك المعرفة، ويستطيع التفكير، ويملك أدوات المنافسة في الجامعة وسوق العمل؟
ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يكون محور أي إصلاح تعليمي جاد، لأن مستقبل التعليم لا تصنعه ورقة امتحان، بل تصنعه فلسفة تعليمية تؤمن بأن المعرفة هي الغاية، وأن الامتحان ليس إلا وسيلة لقياسها، لا غاية قائمة بذاتها.

شاهد أيضاً

عبد الرزاق الداهش

وربي يقدر الخير!

عبد الرزاق الداهش في ليبيا لدينا مشكلة أولى، وهي أن غالبية المحاصيل الزراعية في حاجة …