منصة الصباح
جمعة بوكليب

” دِفْ الحِيط……”

جمعة بوكليب

زايد…ناقص

العنوانُ أعلاه اسم لعبة شعبية كنّا نلعبها صغارًا. اللعبة عُرفتْ بين الصبيان في المدينة القديمة باسم: “دِف الحيط الجْرّبَه تطلع.” الجْرّبَه المقصود بها الأجرب أي الضعيف، والله أعلم. اللعبة باعثة على التسلية.

كان الصبيان يلجأون إليها حين تضيق بهم الحظيرة ولا يجدون ما يفعلون بالطاقة الحيوية التي كانت تلتهب بنارها في أبدانهم وفي حاجة إلى تفريغ. هربًا من الضجر والملل يسلّون أنفسهم بتلك اللعبة التي تعتمد على قوة البدن. يقف خمسة أو ستة من الصبيان لصق جدار في الشارع، ثم يبدأون التدافع بقوة بغرض إخراج واحد منهم. التدافع يتم من خلال الالتصاق بالجدار والدفع في الاتجاهين. الهدف من اللعبة: الإقصاء.

تدافع الصبيان العفوي يعكس قاعدة لا تكاد تُخطئ في شؤون البشر: إذا لم تكن قويًا أو مدعومًا بجدار وسند فستجد نفسك مقصيًّا خارج اللعبة.

الإقصاء أنواع متعددة: سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي ونفسي. وكل نوع منها عالَمٌ قائم بذاته من الخسائر الصامتة، لا أرى داعيًا للخوض في تفاصيله، لأن أغلبنا مرّ في حياته على الأقل بواحد منها أو أكثر. والأمر الذي ذكّرني بلعبة الطفولة وبالإقصاء هو ما لاحظناه مؤخرًا من عدد من المبادرات الهادفة – بزعم أصحابها – لحل الأزمة في ليبيا، والتي هطلت على رؤوسنا فجأة مثل صواعق من سماوات عديدة، وبأسماء مختلفة، وألوان متفاوتة، ولغات متخشّبة، وبتواقيع من شخصيات تنكمش اللغة العربية خجلًا واشمئزازًا من مجرد التفكير في التطرق إلى وصفها.

الإقصاء، نعم الاقصاء ولا شيء آخر، هو الشيء الوحيد الذي من الممكن للمراقب الخارجي استخلاصه من قراءة ذلك الكم الهائل من المبادرات. وباختصار، كل مبادرة هبطت على الرؤوس كصاعقة باسم حل الأزمة لا هدف لها إلا إقصاء ما سبقها من مبادرات. اختلفت الأسماء والأوصاف والتوقيعات والصياغات ووحّدها هدف واحد:” دف الحيط الجربه تطلع.”

شاهد أيضاً

د. علي عاشور

الوَفَاءُ… بَيْنَ الادِّعَاءِ وَالاخْتِفَاءِ

باختصار الوفاء قيمة إنسانية عظيمة، لا تقوم المجتمعات إلا بها، ولا يستقيم ميزان العلاقات بدونها…  الوفاء ذلك …