منصة الصباح
أحلام محمد الكميشي

المؤثرات البصرية المشوشة في إعلام الهجرة

تقرن أغلب وسائل الإعلام والصفحات أخبار الهجرة بصورة أو فيديو لقارب مهاجرين في البحر، والأمر نفسه في ملصقات العديد من الندوات وورش العمل في بلادنا. وهذا غريب؛ فالمهاجر في هذه المرحلة قد غادر بالفعل، وليس كل قارب انطلق من الشواطئ الليبية أصلًا.

وما يفترض أن يعنينا أكثر هو مئات المهاجرين وهم يعبرون الصحراء سيرًا على الأقدام أو على متن الشاحنات والسيارات الصحراوية، والذين يفترشون جوانب الطرق وتحت الجسور، أو يستغلون الفضاءات العامة للإقامة والمعيشة.

بعض هؤلاء يعملون لدى جهات رسمية أو في البيوت والمزارع والمحلات، أو يمتهنون العمالة اليومية، ويفرضون أسعارًا على سوق العمل دون أن يسددوا أي رسوم أو ضرائب مقابل العمل أو الدخل أو الإقامة، بينما يحصل كثير منهم على خدمات مجانية. وفي الوقت ذاته، يتعرض بعضهم للابتزاز والنصب، ويصبحون ضحايا لليبيين أو لأجانب، بعضهم يحملون نفس جنسياتهم.

إن المؤثرات البصرية أكثر تأثيرًا من النص المكتوب أو المسموع في تكوين الصورة الذهنية لدى المتلقي. وعندما نختار ما يهم الآخرين، فإننا ننحرف عن رؤية الملف من نافذتنا الوطنية المستقلة وعن التشخيص السليم للمشكلة. وهذا يخلق تشويشًا لدى الرأي العام في فهم الأولويات الوطنية والثوابت السيادية، وحتى الالتزامات الإنسانية، والتمييز بين ما يعنينا نحن وما يعني الغير.

لقد استمعت إلى عشرات القصص من مهاجرين يروون معاناتهم في بلدانهم ثم في الصحراء: جوع وعطش وحرمان، عنف بدني ولفظي، تحرش واغتصاب، وليالٍ من الدموع وهم مكدسون فوق إطارات تقفز فوق الرمال، لا يسترهم إلا النجوم في السماء. وأيام من الحر اللاهب والأوامر والتسلط، وشوق إلى الأهل دون وسيلة اتصال، وخوف دائم من الطريق ومن غارات المهربين المنافسين أو الغرماء.

يروي بعضهم كيف فقد قريبًا أو صديقًا تُرك يحتضر وحيدًا أو ألقيت جثته في الفيافي، وكيف تعرض للضرب المبرح عند أي اعتراض، أو سُلِّم لعصابة أخرى، أو اختُطف وعُذِّب مقابل فدية يدفعها أهله من بلدهم مباشرة إلى مستلمين في بلدان ليست بلدنا ضمنها.

إن اختيار الصورة الإعلامية جزء من بناء الوعي حول ملف يمس السيادة والاقتصاد والأمن الاجتماعي والإنساني. ولا يصح اختزال الملف في رمز بصري واحد، فالهجرة مسار من بلد المنشأ، يمتد برًا أو جوًا قبل لحظة القارب، واختزال الرحلة إجحاف بحقنا نحن والمهاجر معًا.

أحلام محمد الكميشي

شاهد أيضاً

د. المهدي الخماس

رسالة مفتوحة إلى معالي وزير الصحة الليبي

صباح الجمعة السيد الدكتور محمد الغوج معالي وزير الصحة المحترم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، …