خلود الفلاح
في التسعينيات تقريبا، نصحني صديق ـ كان من هواة المراسلة في الصحف والمجلات ـ بفتح صندوق بريد، كان منبهرا وهو يتحدث عن ذلك الصندوق المعدني المليء بالمفاجآت.
في بداية الأمر، فتحت صندوق بريد من أجل المراسلة فقط، جمعت عناوين بطريقة عشوائية من ركن المراسلة في مطبوعات مختلفة، وبدأت في إرسال رسائل عن رغبتي في التواصل، عرفت بنفسي، وهواياتي، والمدن التي أحب السفر إليها، وغيرها من تلك الأحلام.
هواة المراسلة

وإذ بصندوق بريدي يستقبل عشرات الرسائل من دول مختلفة، أحببت جدا تلك الحالة، وتحولت الكلمات إلى مكالمات هاتفية من أجل المزيد من التعارف، لازالت إلى هذه اللحظة احتفظ ببعض الرسائل، ولا مرة فكرت في إعادة قراءتها كلما مرت أمامي، لكنها شاهدة على مرحلة جميلة من حياتي، كانت هذه الرسائل تحوي صور فوتوغرافية، وبطاقات معايدة، وبطاقات أماكن سياحية، وحديث عن الأكلات الشعبية التي تميز بعض البلدان،
كنا نتبادل كتابة أفكارنا ورؤانا عن الحياة والأحلام، وعدد أفراد أسرنا، وماذا يدرسون؟ وهواياتنا التي تمثلت في الأغلب لكل هواة المراسلة في المطالعة والسفر والسباحة.
خطابات غيّرت العالم
الرسائل تفتح أبواباً واسعة على حقب تاريخية مختلفة، ولعل كتاب” مكتوب في التاريخ: خطابات غيّرت العالم” الصادر عام 2019 للمؤرخ البريطاني سايمون سيباغ مونتيفيوري، خير مثال على ذلك. إذ يضم الكتاب (107) رسائل خطية كتبها فنانون وسياسيون، من بينهم فريدا كاهلو، ونابليون بونابرت، وأدولف هتلر، ومايكل أنجلو، وبيكاسو، ونيكيتا خروتشوف، وجون كينيدي، وجاكلين كينيدي. وتخبرنا رسائلهم عن حياتهم، ومشاريعهم الفنية والسياسية والعسكرية، وعن هزائمهم وأفراحهم، كما تكشف جانباً من قصص الحب في حياتهم.
هل يختفي البريد التقليدي؟
يبدو أن التحولات الرقمية لا مفر منها، فإن اختفاء البريد الورقي بالكامل أمر غير محتمل في المستقبل القريب.
إذ يحتفل العالم في يوم 9 ـ أكتوبر من كل عام باليوم العالمي للبريد. وأعلن عن تاريخ هذا اليوم في مؤتمر الاتحاد البريدي العالمي الذي عقد في طوكيو عام 1969، ولعل أول سؤال يتبادر إلى الذهن في يومنا هذا، هل هناك من يزال يكتب الرسائل ويرسلها عبر البريد التقليدي؟

منذ سنوات، كنا نتابع تصريحات لمتخصصين في عالم الصحافة والإعلام عن موت الصحافة الورقية، فقد أشار
الكاتب الأمريكي فيليب ماير، في كتابه “النهاية الحتمية للإعلام الورقي”، إلى أن آخر مطبوع ورقي يرى النور سيكون في العام 2043، ونسأل، هل سيحدث ذلك؟ خاصة وأن المسألة لا تختلف كثيرا عن المنافسة بين الراديو والتليفزيون كلاهما باقِ، ولكل منهما جمهوره العريق الذي يدافع عنه بشراسة.
صوت الرسالة الورقية
بعد التخلي عن ركن المراسلة والهواة، بدأت في تلقي كتب شعراء وروائيين، كانت مدة وصول هذه الكتب طويلة، وبما أن صندوق بريدي يقع بالقرب من مقر عملي، كنت شبه يومي أشاهد من فتحة الصندوق المعدني الشفافة، ما بداخله تغمرني السعادة عندما ألمح شيئا، وقد تذهب هذه السعادة بعيدا إذا وجدت بداخله ورقة تجديد خدمة الاشتراك في الصندوق.
في فترة الحرب في بنغازي عام 2014، أصبح من الصعب عليّ الوصول إلى صندوق بريدي بعد أن أغلقت المنطقة بالسواتر، وأيضا ضاع مني مفتاح الصندوق، ولم أجدد الاشتراك، ولم أعرف ما هو مصيره.
وعن حميمية الرسائل الورقية كتبت الباحثة سينثيا أوزيك في مجلة HARPERS MAGAZINE مقالة بعنوان ” أصوات من مكتب الرسائل الميتة”، ترجمة عبد السلام الغرياني، والتي هي عبارة عن مرثية مؤثرة لفن كتابة الرسائل الذي يوشك على الانقراض، حيث تعبر الكاتبة عن حزنها العميق على فقدان تلك اللحظات الساحرة التي كانت ترافق كتابة الرسائل وتلقيها. ففي عالمنا الرقمي السريع، تشعر أوزيك بالحنين إلى تلك الكلمات المكتوبة بخط اليد، والتي كانت تحمل في طياتها لمسة شخصية عميقة، وكأنها قطعة من روح كاتبها.

وتؤمن أوزيك بافتقاد الرسائل النصية، بقيودها التقنية وسرعتها الزائدة، إلى القدرة على التعبير عن الأفكار والمعاني بعمق ودقة كما تفعل الرسالة المكتوبة بخط اليد. فالفورية التي تتميز بها هذه الوسائل الرقمية غالبًا ما تؤدي إلى سوء الفهم وتبسيط المعاني، مما يفقدها فن التعبير عن المشاعر بصدق وعمق.
وتتساءل أوزيك في مقالتها: هل يمكن للرومانسية الحقيقية أن تزدهر في ظل هذا التبسيط الرقمي، أم أنها ستذوب كالسكر في الماء؟
تدعو هذه المقالة إلى زمن كان فيه للكتابة سحرها الخاص. فهي تذكرنا بقيمة الرسائل التي كانت تحمل في طياتها قصصًا وأحاسيس لا يمكن للرسائل النصية أن تعبر عنها، وتدفعنا إلى التفكير في الثمن الذي ندفعه مقابل التطور التكنولوجي السريع. تزخر المقالة بأمثلة ومواقف وطرائف لجوانب متعددة لفن كتابة الرسائل، بدءًا من تأثيرها النفسي على الفرد ووصولاً إلى الذروة في تشكيل الثقافات والحضارات. كما تناقش التحديات التي تواجه هذا الفن في عصرنا الرقمي، وسبل إحيائه والحفاظ على قيمته.
رسائل الحب والذاكرة
يقول الباحث في التاريخ الليبي حسين المزداوي: قبل ظهور شبكة الإنترنت، كانت علاقتنا بالعالم الخارجي، وحتى بين المدن الليبية المختلفة، تعتمد على الرسائل الورقية، نتبادل من خلالها تفاصيل حياتنا من هموم وأفراح، وكان ساعي البريد هو المسؤول عن إيصال هذه الأفراح والأحزان.

ويضيف:” في ستينيات القرن الماضي، كان في كل قرية ليبية ساعي بريد يجوب الشوارع على دراجته، ويطرق أبوابنا في مدينة طرابلس، حاملاً معه المفاجآت، مثل مجلة “هنا لندن”، أو صور الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.
من المواقف الظريفة في أدب المراسلات، وأنا شاهد على ذلك، أن أحد الأصدقاء كان في شبابه يراسل شابة لبنانية في بداية السبعينيات. وهو الآن رجل كبير في السن، وقد أعطاني هذه المراسلات للاحتفاظ بها، لأنه كان يخشى أن تقع في أيدي أولاده أو أحفاده فيعبثوا بها، أو يقولوا: “أبونا كان يراسل امرأة شامية”. رغم أنها رسائل عادية جداً، إلا أننا نلمس فيها ذلك العشق الجميل، وما كان يدور في بلديهما آنذاك من أحداث سياسية واجتماعية واقتصادية”.
ويتابع: أذكر أن هناك شخصية إعلامية ليبية كانت لديها مراسلات مع مي زيادة، لكن أبناءه رفضوا نشر تلك الرسائل، رغم محاولاتي الكثيرة لإقناعهم بذلك، على الرغم من أنها كانت تتضمن أحاديث مهمة حول الأدب والفن.
للأسف، لم يهتم الكُتّاب في ليبيا بنشر رسائلهم مع غيرهم من المبدعين، وأنا شخصياً حاولت كثيراً مع الكاتب الراحل علي مصطفى المصراتي أن ينشر مراسلاته المهمة مع العديد من الشخصيات العربية في مجالات مختلفة.

رسائل الرقّاص
ويتحدث الباحث حسين المزداوي عن طريقة إرسال الرسائل في القرن التاسع عشر، أي قبل دخول الطباعة، عندما كان البريد يُرسل مع شخص يسمى “الرقّاص”، وهو ساعي بريد يقطع مسافات طويلة، قد تصل إلى مائة كيلومتر، ثم يسلّم الرسالة إلى شخص آخر يتولى نقلها، وهكذا إلى أن تصل إلى صاحبها. وكانت الرسالة تستغرق أسبوعاً أو عشرة أيام حتى تصل، وأحياناً أقل من ذلك. ويشير المزداوي إلى أن رسائل الرقّاص كانت تصل أسرع من الرسائل المرسلة عبر القوافل.
ويضيف: “كان الأمن في ليبيا يسيطر بشكل كبير على الخدمات البريدية، ويطّلع على الرسائل قبل وصولها إلى أصحابها، خاصة الطرود البريدية. أتذكر مثلاً أنه في نهاية عام 2000، وعند مغادرتي الكويت، دفعت مبلغاً مالياً مقابل الاشتراك في خدمة إرسال مجلة العربي إلى ليبيا لمدة عامين، وانتظرت طويلاً، لكنني لم أتسلم أي عدد من المجلة، رغم أنها كانت تُباع في المكتبات الليبية. وعندما راسلت المجلة للاستفسار عن السبب، اكتشفت أنها كانت تُرسل بشكل منتظم، لكن بسبب الحس الأمني وسيطرة المخابرات، كان وصولها إلى صندوق بريدي يتأخر كثيرا”.
ويتابع: ومن الطرائف البريدية أن رسالة أُرسلت إليّ من مدينة الكفرة الليبية وصلت بعد سبعة أشهر، في حين أن رسالة من لندن كانت تصل خلال أربعة أيام فقط. وأعتقد أن الأجهزة الأمنية كانت تحتفظ بصورة من الرسائل الخارجية، لذلك كانت تصل بسرعة أكبر.
ويرى المزداوي أن الرسائل الإلكترونية، رغم سرعتها، طغت على الرسائل المكتوبة بخط اليد، فالرسالة الإلكترونية قد تضيع بسبب ضغطة زر خاطئة، أو بسبب إغلاق البريد الإلكتروني لأي سبب كان، وحتى رسائلنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي قد تختفي إذا أُغلقت الصفحة مثلاً.
نوادي المراسلة المحلية
في حديثها عن المراسلات الأدبية، أفادت

“أهم ما في الرسائل هو أنها مفيدة كوسيلة للتعبير عن النفس العليا المثالية، ولا توجد طريقة أخرى من طرق التواصل تضاهيها في تحقيق هذا الغرض. في المحادثات تمثل تلك الأعين المثيرة للقلق التي تتطلع إليك، وتلك الشفاه المتأهبة للتصحيح حتى قبل أن تبدأ الحديث، رادعاً قوياً لعدم الواقعية، بل للأمل”.
في المقابل، تحدث خالد بن غشير ـ وهو مؤسس رابطة عشاق اللون الأخضر للمراسلات الدولية، في الفترة ما بين 2004 ـ 2009ـ عن علاقته ببريد المراسلة والتي بدأت في التسعينيات عبر البرامج الإذاعية المحلية، والقنوات المسموعة الدولية مثل راديو مونتي كارلو، وقناة BBC، وقناة فرنسا الدولية، والصين، وكوريا.
وأضاف: “في هذه القنوات كانت هناك فقرة مخصصة لهواة المراسلة والتعارف، ومحليا كان لإذاعة بنغازي المحلية الدور البارز في ربط جسور التواصل بين الأصدقاء. إضافة إلى نوادي المراسلة المحلية والعربية.
في الرسالة الورقية تشعر بمدى المجهود الذي بذل في كتابة السطور وزخرفتها. أتمنى عودة الخدمات البريدية حتى لو تأخذ الرسائل وقتا طويلا في الوصول”.
كتبنا وما كتبنا
ولا تخلو كلمات الأغاني من انتظار رسالة ورقية معبرة عن المحبة والعتاب، فغنت الفنانة فيروز ” كتبنا وما كتبنا/ ويا خسارة ما كتبنا/ كتبنا مية مكتوب/ ولهلا ما جاوبنا”، وغنت الفنانة ذكرى “وصلني جواب اليوم رد لجوابي/ فوق الظرف مختوم بدمعة أحبابي/ جايب نبأ مرحولهم يرحل وينزل/ قاري اللي في عقولهم في اللوم يغزل”.

وقدمت الفنانة رجاء عبده أغنية “البوسطجية اشتكوا من كتر مراسيلي/ وعيوني لما بكوا دابت مناديلي/ روح يا قمر والنبي ع الحلو مسّي لي/ أبعت مراسيل، واكتب جوابات/ واستنا، وأقول لو غاب اتنين، راح ييجي تلات، والصبر يطول”. وقالت الفنانة دلال الشمالي “يا موظف البريد/ابعتلي برقية/برقية لحبيبي الغالي/القاسي عليا”.
رسائل إلى ميلينا
وأيضا في السينما، قدمت أفلام تدور أحداثها حول الرسائل، منها فيلم ” لديك بريد” بطولة توم هانكس وميغ رايان يحكي الفيلم عن قصة حب تنشأ عبر الإنترنت بين بائعي كتب في مدينة نيويورك، (كاثلين) المثقفة صاحبة المكتبة الصغيرة و(جو) الذي يملك سلسلة محلات كتب ضخمة، الاثنان يعرفان بعضهما في الواقع، لكن لا يدركان أنهما نفسهما اللذان يتحدث كل منهما للآخر خلف شاشة الحاسوب كل ليلة.

وفي الرواية، كان لصندوق البريد حديث آخر، ففي رواية “ليس لدى الكولونيل من يكاتبه” للروائي غابرييل غارسيا ماركيز، رجل عسكري برتبة كولونيل، يعيش براتب تقاعدي زهيد مع زوجته في كوخٍ صغير، منذ أن انتهت الحرب في بلاده لم يفعل شيئاً سوى الانتظار. يذهب كل يوم إلى مكتب البريد لعله يجد في انتظاره رسالة تنبئه عن مستحقاته التقاعدية..
ويعد كتاب “رسائل إلى ميلينا” والذي يتضمن رسائل فرانز كافكا إلى حبيبته الصحافية ميلينا، واحدة من أشهر نماذج أدب الرسائل في القرن العشرين. قد كتب كافكا هذه الرسائل وهو على حافة الموت مصاباً بمرض “السل الرئوي”، في الفترة من 1920 إلى 1923، هذه الرسائل تحكي عن الأزمات النفسية والاجتماعية والعاطفية التي عاشها فرانز كافكا، عندما أحب ميلينا حبّا يكاد يكون مستحيلاً.
ما الفرق بين المراسلات الأدبية المكتوبة بخط اليد وتلك المرسلة عبر البريد الالكتروني؟ في كتاب “أثر الطائر في الهواء” والذي هو عبارة عن مراسلات أدبية بين كاتبان ليبيان هما سالم العوكلي، وعاشور الطويبي. وجدا في كتابة تلك المراسلات رفقة تخفف ما يشعران به اتجاه وطنهما، عاشور يكتب من تروندهايم البعيدة، وسالم من قرية كرسا الليبية. هذه المرسلات الأدبية التي تم تبادلها عبر البريد الالكتروني وجمعت في كتاب، تعني أن الأدب قد استفاد من التطور في وسائل التواصل الحديثة.
في سياق الحديث عن الرسائل وأهميتها الكبيرة، نجد أن هناك رسائل بيعت في مزاد علني، مثل بيع رسالة للموسيقار النمساوي موزارت بـ440 ألف يورو في مزاد علني، عبر الانترنت تعود إلى عام 1783، وقيل أن الرسالة تحتوي على رباعيات موزارت الشهيرة “هايدن”.

وأيضا بيعت الرسائل الغرامية لنجمة هوليوود الراحلة إليزابيث تايلور ب 47 ألف دولار.
وختاما، رسائلنا الورقية ليست مجرد مراسلات بين أشخاص، ولكنها تؤرخ لفترات زمنية من حياتنا بما تتضمنه من أحداث، ومواقف، ومناقشات. ربما يمكنها أن تكون شكلاً من أشكال الرواية الشعبية للتاريخ.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية