الصباح/ تقرير
يكادُ مصدر مرتبات العاملين في القطاع العام الليبي أن يكون واحداً، ويتمثل في الخزانة العامة للدولة عبر وزارة المالية، إلا أن التفاوت في مستويات الدخل بين الليبيين أصبح خلال السنوات الأخيرة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى..
الراتب وصناعة الطبقات..
ففي الوقت الذي يحصل فيه موظفون في بعض القطاعات على مرتبات مرتفعة وبدلات ومزايا إضافية، تكافح شرائح واسعة من الموظفين والمتقاعدين وأصحاب الدخل المحدود لتلبية احتياجاتها الأساسية، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القوة الشرائية للدخول الثابتة..
وتقوم الدولة الليبية بتمويل مرتبات مختلف القطاعات من الميزانية العامة، إلا أن تعدد القوانين واللوائح المنظمة للأجور أدى إلى نشوء فروق كبيرة بين العاملين في المؤسسات العامة. فبينما يتقاضى موظفون في بعض القطاعات السيادية أو الاقتصادية أو الفنية مرتبات مرتفعة نسبياً، إضافة إلى بدلات السكن والانتقال والعمل الإضافي ومزايا التأمين الصحي والعلاج داخل ليبيا وخارجها في بعض الحالات، يظل موظفون في قطاعات خدمية وتعليمية وإدارية أخرى يتقاضون مرتبات أقل بكثير رغم خضوع الجميع في النهاية لمصدر تمويل واحد هو المال العام…

فوارق رغم الإصلاحات
ورغم الحديث المتكرر خلال السنوات الماضية عن إصلاح منظومة المرتبات وإقرار جداول أكثر عدالة، فإن الواقع لا يزال يعكس وجود فوارق واسعة بين العاملين في الدولة..
وتتمتع بعض المؤسسات بأنظمة مالية خاصة، أو لوائح تمنح العاملين فيها مزايا إضافية لا تتوفر لغيرهم، ما خلق شعوراً متزايداً بعدم المساواة بين شرائح الموظفين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالتأمين الطبي أو المكافآت والحوافز أو العلاوات الخاصة..

سحق المتقاعدين والفئات الهشًّة..
وتظهر آثار هذا التفاوت بصورة أكبر عند الحديث عن المتقاعدين التابعين لصندوق الضمان الاجتماعي. فهذه الفئة، التي تضم مئات الآلاف من المواطنين، تعتمد في معظمها على معاشات تقاعدية ثابتة ينظمها قانون الضمان الاجتماعي رقم (13) لسنة 1980، كما نص القانون رقم (5) لسنة 2013 ( الذي لم ينفذ بعد)، على زيادة معاشات المتقاعدين كلما زادت مرتبات العاملين بالدولة بالنسبة ذاتها وفق الدرجة الوظيفية. غير أن الكثير من المتقاعدين يرون أن قيمة المعاشات الحالية لم تعد تتناسب مع الارتفاع الكبير في أسعار السلع والخدمات والإيجارات والرعاية الصحية، ما جعلهم من أكثر الفئات تأثراً بالتضخم خلال السنوات الأخيرة..
ولا يقتصر الأمر على المتقاعدين فقط، بل يشمل الأرامل وذوي الدخل المحدود والعاملين في قطاعات تقل فيها المزايا الوظيفية. ففي الوقت الذي يتمتع فيه بعض الموظفين بخدمات علاجية وتأمينية ومزايا مالية متعددة، يجد آخرون أنفسهم مضطرين إلى تغطية نفقات العلاج والتعليم والسكن من مرتبات محدودة لا تشهد زيادات تتناسب مع تكاليف الحياة المتصاعدة..
ويؤدي ذلك عملياً إلى اتساع الفجوة بين فئات المجتمع، حتى وإن كانت جميع المرتبات تُصرف من الخزانة العامة ذاتها..

اتساع الفجوة المجتمعية..
وينعكس استمرار هذا الوضع سلباً على التماسك الاجتماعي، إذ يؤدي التفاوت الكبير في الدخول إلى تعزيز الشعور بالغبن بين الفئات الأقل دخلاً، ويحد من فرص الحراك الاجتماعي، كما يخلق أنماطاً استهلاكية ومعيشية متباينة داخل المجتمع الواحد. فالفارق لم يعد مقتصراً على حجم الراتب الشهري، بل أصبح يشمل مستوى الخدمات الصحية المتاحة، والقدرة على تملك السكن، ونوعية التعليم، وحتى القدرة على مواجهة الأزمات الاقتصادية..

عدالة اجتماعية مؤجَّلة..!!
ويؤكد مختصون أن تحقيق العدالة الاجتماعية لا يقتضي بالضرورة مساواة جميع المرتبات، بل يتطلب وجود معايير واضحة ومنصفة تستند إلى طبيعة العمل والكفاءة والمسؤولية، مع ضمان حد أدنى كريم لجميع العاملين والمتقاعدين..
كما أن إعادة النظر في الفوارق الكبيرة بين القطاعات، وربط المرتبات والمعاشات بمعدلات التضخم، وتوسيع مظلة التأمين الصحي والحماية الاجتماعية، تمثل خطوات ضرورية لمعالجة الاختلالات القائمة..
وفي بلد تموّل فيه الخزانة العامة مرتبات معظم العاملين في القطاع العام، تبقى العدالة في توزيع الدخل أحد أهم الاختبارات التي تواجه صناع القرار.. فكلما اتسعت الفجوة بين أصحاب الامتيازات المالية والفئات محدودة الدخل، ازدادت التحديات الاجتماعية والاقتصادية، وارتفعت المطالب بإصلاحات تضمن توزيعاً أكثر توازناً للموارد العامة وتحفظ كرامة جميع المواطنين، وفي مقدمتهم المتقاعدون والفئات الهشة..
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية