باختصار
في مشهد كان يفترض أن يكون تربوياً بامتياز، وخلال زيارة رئيس المجلس الرئاسي لإحدى المدارس في العاصمة بالتزامن مع أول أيام امتحانات الشهادة الإعدادية، تحول الاستقبال إلى لحظة كاشفة لخلل عميق في ثقافة الخطاب داخل مؤسساتنا التعليمية.
فقد تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقطعاً لمديرة المدرسة وهي تخاطب التلاميذ بعبارات وصفت على نطاق واسع بأنها مبالغ فيها، حين قالت: (كم أنتم محظوظين وطلبة مميزين… سيادة الرئيس جاء “بطوبته” ليطمئن عليكم).
هذه العبارة، بما تحمله من مبالغة واضحة، تنزلق بالخطاب من إطاره الرسمي إلى مساحة من التضخيم غير المبرر، وهو ما لا يليق بطبيعة الدولة الحديثة، ولا يتوافق مع المفاهيم السليمة للعلاقة بين المسؤول والمواطن.
فالمسؤول مهما علا منصبه، يظل موظفاً عاماً وجد لخدمة الناس، لا لتنسج حوله عبارات التعظيم التي تشوه الوعي وتربك المعايير وتشوش على ما في عقول الأجيال القادمة، لاسيما وأن هذه العبارات تخرج من مديرة مدرسة.
في رأيي، إن خطورة هذا المشهد لا تكمن فقط في لفظ قيل أو أسلوب استخدم، بل في الرسالة التي تصل إلى عقول التلاميذ وهم في لحظة تعليمية حساسة، فعندما يقدم لهم المسؤول بهذه الصورة، فإننا نغرس فيهم دون قصد ثقافة التبجيل للأشخاص بدل ترسيخ قيم المواطنة، والمساءلة واحترام المؤسسات.
بينما الأصل الذي يجب أن نربي عليه وعي الأجيال هو ما اختصرته الحكمة الخالدة: (سيد القوم خادمهم)، لا أن نقوم معلمة وتربوية ومسؤولة بتسويق العكس داخل المدرسة.
كما أن البروتوكولات الرسمية في مختلف دول العالم تقوم على لغة متزنة ورصينة، تحفظ هيبة رجل الدولة دون إفراط أو مبالغة… فالكلمات ليست مجرد عبارات تقال، بل هي مرآة تعكس صورة بلد بأكمله، وعندما تستخدم تعبيرات غير دقيقة أو تحمل دلالات مبالغ فيها، فإن ذلك ينعكس سلباً على صورتنا أمام الآخرين، ويعطي انطباعاً بأننا لا نحسن التفريق بين الاحترام الواجب والمجاملة المفرطة من جهة، وبين اللغة الرسمية وبين “الهدرزة” من جهة أخرى.
باختصار، إن ما حدث يجب أن يفهم في سياقه الأوسع، لا بوصفه خطأ فردياً فقط، بل جزء من ثقافة يجب تصحيحها، فالمؤسسات التعليمية تحديداً مطالبة بأن تكون النموذج الأمثل في الانضباط اللغوي والفكري والسلوكي، لأنها المكان الذي تتشكل فيه ملامح الوعي الأول لدى الأجيال.
إذ يجب أن يعي الجميع، إن أعظم ما يمكن أن تقدمه مثل هذه الزيارات للطلاب، ليس عبارات الترحيب المبالغ فيها، بل الرسالة الحقيقية التي يجب أن تصلهم، وهي: أن المسؤول جاء ليؤدي واجبه… ليطمئن… ليستمع… ليشارك… ويخدم… وأن قيمة الإنسان لا تقاس بالألقاب، بل بالفعل، وأن الوطن لا يمكن بناءه بالكلمات المنمقة، بل بالوعي السليم والعقول الحرة الناقدة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية