منصة الصباح
د.علي المبروك أبوقرين

*إصلاح الدواء بيقظة المجتمع وسيادة الدولة*

لم يعد الحديث عن إصلاح قطاع الدواء ترفاً فكرياً أو خياراً إدارياً، إنما أصبح ضرورة وجودية تمس حياة الناس بشكل مباشر. وإذا كان الفساد والانفلات قد تغلغل في مفاصل هذا القطاع، فإن المواجهة لا يمكن أن تكون تقنية فقط ولا بيروقراطية بحتة إنما يجب أن تكون شاملة تبدأ من وعي المجتمع ولا تنتهي عند أعلى مستويات التشريع والسيادة.

إن التوعية المجتمعية بالدواء ليست حملة إعلامية عابرة هي خط الدفاع الأول. فالمريض الواعي هو أول رقيب وأول حاجز أمام الغش والتدليس. حين يعرف المواطن حقه في دواء آمن وأصلي، وحين يشكك في مصدره ويسأل عن جودته ويرفض صرفه دون وصفة، فإنه يساهم في كسر حلقة كاملة من الفساد.

لذلك فإن بناء ثقافة دوائية عامة، قائمة على المعرفة والتحذير واليقظة، هو شرط أساسي لأي إصلاح. لكن الوعي وحده لا يكفي ما لم يُدعّم بيقظة دوائية مؤسسية مستمرة، تعمل على الرصد والتتبع والتحليل، وتكشف الانحرافات في وقتها، قبل أن تتحول إلى كوارث.

اليقظة الدوائية ليست رفاهية علمية إنها نظام إنذار مبكر يحمي المجتمع من دواء مغشوش أو ملوث أو غير فعال أو مسحوب عالمياً. إنها عين الدولة التي لا تنام. وفي قلب هذا كله تبرز حقيقة لا يمكن تجاوزها وهي أن الدواء لا يحتمل الفوضى السوقية الكاملة. فإن ترك الدواء لقوانين السوق المنفلتة في بيئة ضعيفة الرقابة يعني ببساطة تسليم صحة الناس لمعادلات الربح والخسارة.

ولذلك فإن احتكار الدولة الاستراتيجي للدواء ليس خياراً أيديولوجياً إنه ضرورة سيادية لحماية الأمن الصحي. ولا يمكن تحقيق ذلك دون مراجعة شاملة وجذرية للتشريعات والقوانين المنظمة للقطاع، بحيث يتم سد الثغرات وتوحيد المرجعيات وتحديث اللوائح بما يتناسب مع حجم المخاطر الحالية. القوانين القديمة مهما كانت نواياها لا تستطيع مواجهة شبكات حديثة من التلاعب والتهريب والتزوير. إن تغليظ العقوبات لم يعد مطلباً بل واجباً.

لأن الجرائم المرتبطة بالدواء ليست جرائم مالية فقط إنها جرائم تمس حياة الإنسان مباشرة. كل من يغش دواءً أو يزور منشأه أو يعبث بمكوناته أو يتاجر به خارج القنوات القانونية يجب أن يُعامل كمن يهدد حياة الناس لا كمن يخالف إجراءً إدارياً. كما أن ضبط عملية الشراء الموحد والتسجيل الدوائي لم يعد مجرد مسألة تنظيمية إنما هو صمام أمان لمنع الفوضى والتكرار والتلاعب.

لا يمكن أن يُترك باب الاستيراد مفتوحاً لكل من أراد ولا أن تُسجل الأدوية دون تدقيق صارم في مصدرها وجودتها وفعاليتها. أما المنافذ الحدودية فهي خط التماس الأول مع الفوضى. إن لم تُحكم السيطرة عليها فإن كل ما يُبنى في الداخل يمكن أن يُهدم بشحنة واحدة مهربة. يجب أن تكون هذه المنافذ محكومة بأنظمة رقابية صارمة ومدعومة بالتقنية وبإرادة لا تقبل الاختراق، لمنع تهريب الدواء إلى الداخل أو تسريبه إلى الخارج.

ولا يقل خطورة عن ذلك فوضى الدعاية والإعلان للأدوية، التي تحول العلاج إلى سلعة ترويجية، وتدفع المرضى إلى استهلاك غير واعي، إن منع الإعلان عن الأدوية حماية للعقل الصحي للمجتمع.

ولا يمكن فصل كل هذه الإجراءات عن بعضها التوعية واليقظة والتشريع والرقابة والسيادة كلها حلقات في سلسلة واحدة. وإذا انكسرت حلقة واحدة انهارت المنظومة بأكملها. الدواء ليس مجالاً للتجريب ولا ساحة للتراخي إنه قضية حياة أو موت. وإما أن تُحكم الدولة قبضتها عليه أو يظل المجتمع يدفع الثمن من وبصحته وبحياته.

د.علي المبروك أبوقرين

شاهد أيضاً

جمعة بوكليب

” مَيّل يا غزيّل”

زايد…ناقص لو كان للجمال والرقّة معبدٌ يحُجُّ إليه الناسُ، ويأتونه أفواجا، لكان شُيّد هندسيًّا على …