لم يكن الوسام الذي قلدته وزارة الثقافة الفرنسية، أمس، للبروفيسور الليبي خالد محمد الهدار، مجرد قطعة معدنية تضاف إلى سجل التكريمات الدولية؛ بل هو استحقاق أكاديمي لـ «حارس الذاكرة» الذي أفنى أربعة عقود في تتبع أثر الحضارة فوق التراب الليبي وخارجه، ففي احتفالية رصينة بالعاصمة باريس، نال الهدار وسام الفنون والآداب برتبة «فارس»، تقديراً لمسيرته العلمية الاستثنائية وإسهاماته في إثراء المشهد الأثري الكلاسيكي.
ولد الهدار في بنغازي عام 1963، وبدأ شغفه بالأرض منذ تخرجه في جامعة بنغازي عام 1985. تنقّل بين الميدان باحثاً أثرياً، وبين أروقة المتاحف أميناً لمتحف «العقورية»، ليتحول لاحقاً إلى واحد من أبرز الأكاديميين الليبيين المتخصصين في الآثار الكلاسيكية، حاملاً درجة الأستاذ المشارك منذ عام 2006.
ولطالما كان الهدار صوتاً أكاديمياً مقلقاً في ملف «الآثار المسروقة». فلم يكتفِ بالتدريس الأكاديمي في جامعة قاريونس، بل جعل من استعادة الهوية الليبية المبعثرة في متاحف «اللوفر» و«البريطاني» قضية وجودية. عبر دراساته المعمقة حول «نهب آثار ليبيا» وكتابه المنتظر «أوراق ليبية»، استطاع الهدار توثيق الطرق التي تسللت بها الكنوز الليبية إلى الخارج، مؤكداً أن البحث الأثري ليس مجرد توصيف للأحجار، بل هو فعل مقاومة لاسترداد التاريخ.
يأتي هذا الوسام الفرنسي ليعيد الاعتبار للعطاء العلمي الليبي على الساحة الدولية. الهدار، الذي شارك في عشرات الحفريات والندوات من «توكرة» إلى «قورينا»، يجسد اليوم النموذج الليبي الراقي الذي استطاع، رغم كل التحديات، أن يفرض احترامه في كبرى المحافل الأكاديمية العالمية. هو تكريم لا يحتفي بشخص الهدار فحسب، بل بكل جهد بُذل صوناً لتاريخ ليبيا التليد.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية