بينما ينصب التركيز العالمي على ذوبان القمم الجليدية، ثمة كارثة صامتة تعيد تشكيل ملامح الكوكب من الداخل، التصحر. هذه الظاهرة، التي تعرف علمياً بأنها تدهور الإنتاجية البيولوجية للأراضي الجافة وشبه الجافة، لم تعد مجرد تهديد بيئي بعيد، بل تحولت إلى “مقصلة” اقتصادية واجتماعية تهدد الأنظمة البيئية من الصحارى إلى المراعي.
فوفقاً للمعايير الجيوفيزيائية، يحدث التصحر نتيجة تضافر قاتل بين التقلبات المناخية الحادة والأنشطة البشرية غير المنضبطة، و في ليبيا، حيث تصنف أكثر من 95% من المساحة كأراضٍ صحراوية أو شبه صحراوية، تتحول الأرقام إلى واقع قاسم. فالرعي الجائر، وإزالة الغابات، والإفراط في سحب المياه الجوفية، ليست مجرد ممارسات خاطئة، بل هي محركات لتدمير خصوبة التربة وتحويلها إلى أراضٍ عقيمة تشاكل الظروف الصحراوية القاسية.
تاريخياً، لم تقف ليبيا مكتوفة الأيدي؛ ففي عام 1961، أطلقت البلاد تجربة استصلاح رائدة عرفت دولياً بـ “التجربة الليبية في مقاومة التصحر”، والتي اعتمدت على تثبيت الكثبان الرملية وحفر الأحزمة الخضراء. هذه التجربة التي استنسختها دول مثل السعودية وإيران، تواجه اليوم انتكاسة خطيرة.
تشير تقارير جمعية “أكسجين” لحماية البيئة إلى تصاعد مرعب في معدلات التعرية الريحية نتيجة اختفاء الغابات المحيطة بالمدن، والنتيجة زحف الرمال الذي بدأ يبتلع الطريق الساحلي، وازدياد وتيرة العواصف الرملية التي رفعت كلفة التشييد والبناء، وهددت الأمن الصحي والغذائي للسكان.
على الرغم من أن ليبيا دولة ريعية تعتمد على النفط، إلا أن تآكل الـ 4% المتبقية من الأراضي الصالحة للزراعة يضع “الأمن الغذائي” في مهب الريح. إن فقدان المحاصيل الاستراتيجية مثل الحبوب والأعلاف لا يعني فقط زيادة التبعية للمساعدات الدولية، بل يؤدي إلى نزوح جماعي من المناطق الريفية نحو المدن المكتظة، مما يخلق ضغطاً ديموغرافياً واقتصادياً لا يطاق.
وفي ظل هذا القتامة، يبرز دور المنظمات الدولية مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، الذي يرى في استعادة الأراضي المتدهورة فرصة اقتصادية وليست مجرد ضرورة بيئية. من خلال الشراكة مع اللجنة الوطنية لمقاومة التصحر، يتم العمل حالياً على صياغة أول استراتيجية وطنية للأمن المائي، تهدف إلى إدارة الموارد المائية الشحيحة بشكل عادل، وضمان بناء مرونة اقتصادية قادرة على مواجهة التغير المناخي.
إن المعركة ضد التصحر في ليبيا هي سباق مع الزمن؛ فإما استعادة التوازن البيئي، أو القبول بمستقبل تبتلع فيه الرمال ما تبقى من ملامح الحياة الحضرية والزراعية.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية