بينما يحيي العالم اليوم “يوم الأرض” كرمز للصفاء، تطل ليبيا من نافذة التقارير الدولية لعام 2026 بلقب يثير التساؤل؛ حيث حلت في المرتبة الخامسة والعشرين عالمياً ضمن قائمة الدول الأكثر تلوثاً بالجسيمات الدقيقة.
ولكن، في بلاد “العجاج” والمنخفضات الصحراوية، القصة ليست دائماً قصة مصانع وعوادم، بل هي ملحمة جغرافية تكتب ذراتها فوق رمال الصحراء الكبرى.
لسنوات طويلة، ظلت جودة الهواء في ليبيا “صندوقاً أسود” مجهول البيانات، لكن الانعطافة بدأت في عام 2023؛ حين فَعلت وزارة البيئة محطات الرصد الوطنية، و بفضل هذه التقنيات، بدأت البيانات تتدفق إلى منظمة IQAir السويسرية، لترسم صورة دقيقة للهواء الذي يتنفسه الليبيون، حيث لم يكن ترتيبنا المتأخر نتيجة زيادة مفاجئة في السموم، بل نتيجة الاعتراف العلمي بواقع جغرافي كان موجوداً منذ الأزل.
في مختبرات بنغازي ومدن الشمال، تشير الأرقام إلى أن المتهم الأول هو الجسيمات الدقيقة (PM2.5) بتركيز بلغ متوسطه 80 ميكروغراماً لكل متر مكعب في 2025، هذه الجسيمات، التي يقل حجمها عن قطر شعرة الإنسان بمرات، ليست مجرد كربون ناتج عن استخراج النفط أو حرق النفايات، بل هي في الغالب رمال ناعمة تحملها الرياح الموسمية من عمق الصحراء، لتخلق ما يصفه العلماء بـ “الترسيب الجاف”.
يكشف الخط الزمني للبيانات عن تذبذب مثير؛ فبعد أن كانت ليبيا في المركز 20 عام 2023، شهد عام 2024 تحسناً طفيفاً بتراجعها للمركز 36، قبل أن تعود للمركز 25 في التقرير الأخير المنشور في مارس 2026، هذا التباين لا يعكس تغيرات في السياسات الصناعية بقدر ما يعكس “مزاج الطبيعة”؛ فسنوات الجفاف وقلة الأمطار تؤدي لتفكك التربة، مما يسهل على الرياح حمل الرمال وتحويل السماء إلى لوحة من البرتقالي القاتم.
رغم أن الطبيعة تساهم بالجزء الأكبر، إلا أن تقرير نشرته مجلة “ناشونال جيوغرافيك” لا يغفل النشاط البشري؛ فانبعاثات قطاع النفط المتقادمة وحرق النفايات العشوائي في ضواحي المدن يضيفان طبقة من “السموم الكيميائية” فوق “الغبار الطبيعي”.
في يوم الأرض، تذكرنا المرتبة الـ 25 بأن حماية هواء ليبيا تبدأ من استعادة “الحزام الأخضر” ومكافحة التصحر، ليكون هواء الاشجار اللطيف هو ما تحمله الرياح، بدلاً من رمال الصحراء الزاحفة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية